المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مختصر قصة التتار



رسالة
12-15-2009, 12:06 PM
ظهور التتار

قصة التتار عجيبة حقًّا، عجيبة بكل المقاييس، ولولا أنها موثقة في كل المصادر، وبصورة تكاد تكون متطابقة في كثير من الأحيان لقلنا إنها خيال، أو أغرب من الخيال.القصة عجيبة لأن التغيير فيها من ضعف إلى قوة، أو من قوة إلى ضعف لم يأخذ إلا وقتًا يسيرًا جدًّا، فما هي إلا أعوام قليلة جدًّا حتى يعز الله دولة ويذل أخرى، ثم تمر أعوام أخرى قليلة فيذل الله U الأولى ويعز الأخرى!! {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26].

والقصة عجيبة أيضًا للمبالغة الشديدة في الأحداث؛ المبالغة في الأرقام في كل حدث، المبالغة في أعداد القتلى، وفي أعداد الجيوش، وفي أعداد المدن المنهارة، وفي مساحات البلاد المحتلة، وفي أعداد الخيانات وأسلوبها. كما أن القصة عجيبة لشدة التطابق بينها وبين واقعنا الآن.

وقد أراد الله U أن يوضح لنا حقيقة ثبات السنن، وتكرار التاريخ، فجعل الأحداث التي تمر بها أمتنا في وقتنا هذا تكاد تكون متطابقة مع الأحداث التي جرت على سطح الأرض في القرن السابع الهجري، ولو بحثنا في التاريخ فسنجد تطابقًا مع أحداث أخرى كثيرة.

ظهرت قوة التتار في أوائل القرن السابع الهجري، وحتى نفهم الظروف التي نشأت فيها هذه القوة لا بد من إلقاء نظرة على واقع الأرض في ذلك الزمان، وسنجد أن القوى الموجودة كانت متمثلة في فئتين رئيسيتين:

أمَّا الفئة الأولى فهي أمة الإسلام، وقد كانت تملأ مساحة ضخمة من العالم في ذلك الوقت؛ فقد كانت حدود البلاد الإسلامية تبدأ من غرب الصين وتمتد عبر آسيا وإفريقيا لتصل إلى غرب أوربا حيث بلاد الأندلس، وهي مساحة شاسعة للغاية، لكن وضع العالم الإسلامي -للأسف الشديد- كان مؤلمًا جدًّا؛ فقد كانت هناك فُرقة شديدة في العالم الإسلامي، وتدهور كبير في الحالة السياسية لمعظم الأقطار الإسلامية. والغريب أن هذا الوضع المؤسف كان بعد سنوات قليلة من أواخر القرن السادس الهجري، حيث كانت أمة الإسلام قوية منتصرة متحدة رائدة، ولكن هذه سُنَّة ماضية {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]؛


فقد كان هناك الخلافة العباسية التي أصابها الوهن لابتعاد الحكام عن تطبيق الشرع، وانغماسهم في اللهو، وقعودهم عن الجهاد في سبيل الله تعالى.

ونستطيع أن تقول: إن الخلافة العباسية كانت (صورة خلافة) وليست خلافة حقيقية؛ فقد كانت مصر والشام والحجاز واليمن في أوائل القرن السابع الهجري في أيدي الأيوبيين أحفاد صلاح الدين الأيوبي، وكانت بلاد المغرب والأندلس تحت إمرة (دولة الموحدين)، وقد كانت فيما سبق دولة قوية مترامية الأطراف تحكم مساحة تمتدُّ من ليبيا شرقًا إلى المغرب غربًا، ومن الأندلس شمالاً إلى وسط إفريقيا جنوبًا. وكانت الدولة الخوارزمية دولة مترامية الأطراف، وكانت تضم معظم البلاد الإسلامية في قارة آسيا، تمتد حدودها من غرب الصين شرقًا إلى أجزاء كبيرة من إيران غربًا، وكانت هذه الدولة على خلاف كبير مع الخلافة العباسية، وكانت بينهما مكائد ومؤامرات متعددة.

بينما كانت الهند تحت سلطان الغوريين في ذلك الوقت، وكانت الحروب بينهم وبين دولة خوارزم كثيرة ومتكررة.

وكانت أجزاء من فارس تحت سلطان الخوارزميين، وكانت الأجزاء الغربية منها -والملاصقة للخلافة العباسية- تحت سيطرة طائفة الإسماعيلية، وهي طائفة من طوائف الشيعة كانت شديدة الخبث، ولها مخالفات كثيرة في العقيدة، جعلت كثيرًا من العلماء يخرجونهم من الإسلام تمامًا.

وأخيرًا كانت منطقة الأناضول تُحكم بسلاجقة الروم، وأصول السلاجقة ترجع إلى الأتراك، وكان لهم في السابق تاريخٌ عظيم وجهاد كبير، وذلك أيام القائد السلجوقي المسلم الفذ (ألب أرسلان) رحمه الله، ولكن للأسف فإن الأحفاد الذين كانوا يحكمون هذه المنطقة الحساسة والخطيرة والملاصقة للإمبراطورية البيزنطية كانوا على درجة شنيعة من الضعف أدَّت إلى مواقف مؤسفة من الذل والهوان.

أمَّا القوة الثانية في الأرض في أوائل القرن السابع الهجري فقد كانت قوة الصليبيين، وكان المركز الرئيسي لهم في غرب أوربا، حيث لهم هناك أكثر من معقل، وقد انشغلوا بحروب مستمرة مع المسلمين، فكان نصارى إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا يقومون بالحملات الصليبية المتتالية على بلاد الشام ومصر، وكان نصارى إسبانيا والبرتغال -وأيضًا فرنسا- في حروب مستمرة مع المسلمين في الأندلس. وإضافةً إلى هذا التجمُّع الصليبي الضخم في غرب أوربا كانت هناك تجمعات صليبية أخرى في العالم، وكانت هذه التجمعات أيضًا على درجة عالية من الحقد على الأمة الإسلامية، وكانت الحروب بينها وبين العالم الإسلامي على أشدها.وبينما كان هذا هو حال الأرض في ذلك الوقت، ظهرت قوة جديدة ناشئة قلبت الموازين، وغيَّرت من خريطة العالم، وفرضت نفسها كقوة ثالثة في الأرض، هذه القوة هي قوة دولة التتار أو المغول!!

من التتار؟

الهجمة التترية الأولى

جلال الدين والعدة لقتال التتار

فتنة المال.. وهلاك المسلمين

الاجتياح التتري الثاني

الاجتياح التتري الثالث

سقوط بغداد

قطز.. وخطوات التغيير

ماذا قرر قطز؟!

لقد قرر قطز بعد أن استشار مجلسه العسكري أن يقطع أعناق الرسل الأربعة الذين أرسلهم إليه هولاكو بالرسالة التهديدية، وأن يعلِّق رءوسهم على باب زويلة في القاهرة؛ وذلك حتى يراها أكبر عدد من الشعب. وهو يرمي بذلك إلى طمأنة الشعب بأن قائدهم لا يخاف التتار، وهذا سيرفع من معنوياتهم، كما أن هذا الردَّ العنيف سيكون إعلانًا للتتار أنهم قادمون على قوم يختلفون كثيرًا عن الأقوام الذين قابلوهم من قبلُ، وهذا قد يؤثِّر سلبًا في التتار، فيلقي في قلوبهم ولو شيئًا من الرعب أو التردد.

وبعد قتل الرسل، بدأ قطز رحمه الله في التجهيز السريع للجيش، فقد اقتربت جدًّا لحظة المواجهة.

والمشكلة الجديدة التي أمام قطز الآن هي (المشكلة الاقتصادية)!!

ومن جديد جمع قطز رحمه الله مجلسه الاستشاري، ودعا إليه -إلى جانب الأمراء والقادة- العلماء والفقهاء، وعلى رأسهم سلطان العلماء الشيخ العزّ بن عبد السلام رحمه الله، واقترح قطز رحمه الله أن تفرض على الناس ضرائب لدعم الجيش، وهذا قرار يحتاج إلى فتوى شرعية، ولا بد من وجود سند شرعي يبيح ذلك، وإلا صارت الضرائب مكوسًا، وفارض الضرائب بغير حق عقابه أليم عند الله U؛ روى الإمام أحمد وأبو داود -رحمهما الله- عن عقبة بن عامر t قال: سمعت رسول الله r يقول: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ"[41].

إلا أن الشيخ العزّ بن عبد السلام كان عنده تحفظ خطير على هذا القرار، فلم يوافق عليه إلا بشرطين، والشرطان عسيران جدًّا!! قال الشيخ العزّ بن عبد السلام رحمه الله:

إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم (أي العالم الإسلامي)، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم (أي فوق الزكاة) بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء. هذا هو الشرط الأول، أما الشرط الثاني فكان أصعب!! قال الشيخ العزُّ بن عبد السلام رحمه الله: وأن تبيعوا ما لكم من الممتلكات والآلات (أي يبيع الحكام والأمراء والوزراء ما يمتلكون)، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة؛ وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي قادة الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا!![42].

فتوى في منتهى الجرأة!! وإن كانت هذه الفتوى عجيبة في جرأتها، فإن استجابة قطز رحمه الله كانت أعجب!!

لقد قَبِل قطز رحمه الله كلام الشيخ العز بن عبد السلام ببساطة!! وبدأ بنفسه، فباع كل ما يملك، وأمر الوزراء والأمراء أن يفعلوا ذلك!! فانصاع الجميع، وتم تجهيز الجيش المسلم بالطريقة الشرعية.

وجاء وقت إعداد الخطة، وقام قطز رحمه الله بإلقاء بيانه الذي يوضِّح فيه رأيه في الخطة العسكرية، وبمجرَّد أن ألقى برأيه، قام المجلس العسكري ولم يقعد!!

لقد أراد قطز رحمه الله أن يخرج بجيشه لمقابلة جيش التتار في (فلسطين)!! واعترض أغلب الأمراء، لقد أراد الأمراء أن يبقى قطز في مصر ليدافع عنها، فمصر -في رأي الأمراء- هي مملكته، أما فلسطين فهي مملكة أخرى!! لقد نظر الأمراء إلى القضية نظرة قومية بحتة، بمعنى أنه لو لم يدخل التتار مصر فإننا نكون قد تجنَّبنا لقاءً دمويًّا هائلاً، أما إذا ذهبنا نحن إليهم فلا خيار حينئذٍ سوى المعركة.

وبدأ قطز رحمه الله يناقش الأمراء ويشرح لهم مزايا خطته، وأبعاد نظرته، وأهداف الحرب في رأيه، واقتنع الأمراء برأي قطز، وهكذا ترجحت كفة الانتقال إلى فلسطين، واقتنع الحضور في المجلس العسكري الأعلى الذي عقده قطز رحمه الله برأيه الموفَّق، وبدأ قطز رحمه الله في إعداد الجيش وتجهيزه التجهيز المناسب لعبور سيناء وللقاء التتار.

وبدأ تجمُّع الجيش المسلم في منطقة الصالحية (بمحافظة الشرقية الآن)، ثم أعطى قطز رحمه الله إشارة البدء والتحرك في اتجاه فلسطين.

كان هذا التحرُّك في أوائل شهر شعبان سنة 658هـ، وهذا يوافق شهر يوليو من سنة 1260م، أي أن هذا التحرك كان في أشد شهور السنة حرًّا، والسير في الصحراء القاحلة الطويلة في سيناء، وليس في الطريق مدن آهلة اللهم إلا العريش، ومع ذلك فقد صبر الجيش المجاهد.

كان قطز رحمه الله يتحرك على تعبئة، بمعنى أنه يتحرك وقد رتَّب جيشه الترتيب الذي سيقاتل به لو حدث قتال، وذلك حتى إذا فاجأه جيش التتار كان مستعدًّا.

وكان قطز رحمه الله قد وضع على مقدمة جيشه ركن الدين بيبرس القائد العسكري الفذ، ليكون أول من يصطدم بالتتار، فيحدث نصرًا -ولو جزئيًّا- مما سيرفع من معنويات المسلمين بالتأكيد.

وهكذا اجتاز ركن الدين بيبرس الحدود المصرية في 26 من يوليو سنة 1260م، ودخل حدود فلسطين المباركة، وتبعه قطز بعد ذلك في سيره، وحدث ما توقعه قطز رحمه الله، واكتشفت عيون التتار مقدمة الجيش الإسلامي بقيادة ركن الدين بيبرس، واعتقدت أن هذا هو جيش المسلمين كله، ونقلت الأخبار إلى حامية غزة التترية، وأسرعت الحامية التترية للقاء ركن الدين بيبرس، وحدث بينهما قتال سريع، هذا كله وجيش قطز الرئيسي ما زال يعبر الحدود الفلسطينية المصرية، ولكن -كما ذكرنا- كانت مقدمة الجيش المسلم مقدمة قوية، وقائدها ركن الدين بيبرس قائد بارع، والحامية التترية في غزة صغيرة نسبيًّا، والجيش التتري الرئيسي بقيادة كتبغا يربض في سهل البقاع في لبنان على مسافة ثلاثمائة كيلو متر تقريبًا من غزة؛ فتم اللقاء في غزة بمعزل عن الجيوش الرئيسية للمسلمين والتتار، وبفضل الله استطاعت مقدمة الجيش المسلم أن تنتصر في هذه الموقعة الصغيرة، وقُتِل بعض جنود الحامية التترية، وفرَّ الباقون في اتجاه الشمال لينقلوا الأخبار إلى كتبغا في لبنان.

اتجه الجيش المسلم بعد انتصار غزة إلى ناحية الشمال، وعسكر قطز رحمه الله في الحدائق المحيطة بحصن عكا في السهل الواقع في شرق عكا.

في هذه الأثناء كان كتبغا قد وصلته فلول جيش التتار الفارة من غزَّة ينقلون إليه تحركات الجيش المسلم، فغضب غضبًا شديدًا لهزيمة حاميته العسكرية في غزة، وتحرك في اتجاه الجنوب بين جبال لبنان حتى دخل فلسطين من شمالها الشرقي غرب مرتفعات الجولان، ثم عبر نهر الأردن، ووصل إلى الجليل الشرقي. واكتشفت الاستطلاعات الإسلامية المنتشرة في المنطقة تحركات كتبغا، ونقلت الأخبار بسرعة إلى قطز الذي كان قد غادر عكا في اتجاه الجنوب الشرقي؛ فأسرع قطز باجتياز مدينة الناصرة، وتعمق أكثر في الجنوب الشرقي حتى وصل إلى منطقة تُعرف بسهل عين جالوت، وهي تقع في الوسط تقريبًا بين مدينتي بيسان في الشمال ونابلس في الجنوب، وهي قريبة جدًّا من معسكر جنين الآن، وهي المنطقة التي ستدور فيها معركة من أهم المعارك في تاريخ الأرض. وسبحان الله! فإن الأيام قد دارت وحدثت موقعة أخرى شريفة على أرض جنين بين المجاهدين الفلسطينيين واليهود، وذلك في عام 2002م، وزاد شهداء المسلمين فيها على خمسمائة بعد أن صبروا في قتالهم صبرًا عجيبًا.

وجد قطز -رحمه الله- سهل عين جالوت منطقة مناسبة جدًّا للمعركة المرتقبة؛ فهو عبارة عن سهل واسع منبسط تحيط به التلال المتوسطة من كل جوانبه إلا الجانب الشمالي فهو مفتوح، كما تعلو هذه التلال الأشجار والأحراش، مما يوفِّر مخبأً مناسبًا جدًّا للجيش الإسلامي؛ فيسهل عمل الكمائن الكثيرة على جوانب السهل المنبسط.

ورتَّب قطز جيشه بسرعة؛ فوضع على ناحية السهل الشمالية مقدمة جيشه بقيادة ركن الدين بيبرس، وجعلها في مكان ظاهر حتى يغري جيش التتار بالقدوم إليها، بينما أخفى قطز رحمه الله بقية الجيش خلف التلال والأحراش.



[41] رواه أبو داود (2937)، وأحمد (17333). قال الشيخ الألباني: ضعيف. انظر حديث رقم (6341) في ضعيف الجامع.

[42] ابن كثير: البداية والنهاية 13/250.


المصدر
http://www.islamstory.com/%d9%85%d8%ae%d8%aa%d8%b5%d8%b1_%d9%82%d8%b5%d8%a9_ %d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%aa%d8%a7%d8%b1