Warning: Declaration of vBCms_Item_Content::setItemId() should be compatible with that of vB_Model::setItemId() in ..../packages/vbcms/item/content.php on line 26
وجهات - المعجزة.. أو سبات العقل في الإسلام..
  • المعجزة.. أو سبات العقل في الإسلام..


    نعوذ بالله من سبات العقل
    بهذه الكلمات للإمام علي اقتتح جورج طرابيشي كتابه المعنون ب: "المعجزة أو سبات العقل في الإسلام"، حيث قام الباحث بعمل دراسة جزئية لمعرفة مدى حضور المعجزة في العقلية الإسلامية بدءا من حياة النبي وصولا إلى العهود المتأخرة التي شهدت خروج الملسمين من مسار التأثير على حركة التاريخ والحضارة، فانطلق في البحث من القرآن الكريم مسلطا الضوء على تحديد مدى تجذر معجزات الرسول محمد في القرآن الكريم، ثم تحرك باتجاه أدبيات التراث الروائي السني حول معجزات الرسول حيث استفتح تحليله بسيرة ابن هشام معرجا على عدد ممن كتب في المعجزات النبوية كالبيهقي وابن كثير وغيرهم، ثم أعطى مساحة في دراسته هذه لدراسة التراث الروائي الشيعي حول معجزات الرسول والإمام علي والأئمة من ولده، ليكتشف أن حضور المعجزة لدى الشيعة لا تقل عن مثيلتها لدى السنة. ثم لا ينسى عقد فصل في آخر الكتاب لتقديم التفسيرات للنتائج التي توصل إليها، وما الذي يحتاجه المسلمون للتغلب على هذه الظاهرة.

    هذا هو باختصار ملخص موجز غاية الإيجاز حول هذه الدراسة، وما يميز الدراسة كما أراها هو حرص الكاتب على عدم الخوض في تقييم الروايات وتفنيد الصحيح من السقيم فيها، كما لم يدعو في دراسته إلى تكذيب صريح لهذه المعجزات، فقد عالج الموضوع معالجة ضمنية عبر اكتشافه المسار التضخمي لروايات المعاجز لدى الطرفين بدءا من القرآن الكريم الذي يؤكد على مفهوم "نبي بلا معجزة"، وصولا إلى "نبي الثلاثة آلاف معجزة" كما هو الحال لدى صاحب كتاب السيرة الحلبية. والمسار التضخمي الذي لم يكن أحسن حالا في التراث الشيعي الروائي إن لم يزد على نظيره السني في سعة الخيال وتعديه شخصية الرسول لتشمل الأئمة الاثني عشر كما يرى الكاتب.

    إن هذا المسار التضخمي للمعاجز التي حصلت، هو ما يثير الدهشة في النفس، فالنبي الذي يقول الله سبحانه وتعالى عنه: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) وهو ينتظر المعجزة من الله ليقنع هؤلاء المكذبين برسالته، نجده يرجع عين قتادة بن النعمان إلى وجهه في غزوة أحد كما في سيرة ابن هشام التي تعود إلى مطلع القرن الثالث الهجري، ويجعل الخيل والرجال تمشي فوق الماء وهم عائدون من فتح خيبر كما يروي الماوردي وهو من أعلام القرن الخامس الهجري، ويحيي ولد المهاجرة التي قضى ولدها في مرض أًصابه كما يذكر البيهقي في مصنفه دلائل النبوة، ثم تزداد هذه المعاجز لدى القاضي عياض (من القرن السادس) فيتحدث عن إنطاق الجمادات والحيوانات للنبي كحديث الضب وشهادة الشجرة، والكثير مما يفيد البركة مما يخرج من النبي. وتزداد التفاصيل أكثر لدى ابن كثير (من القرن الثامن) الذي يفرد ما يزيد عن 250 صفحة لمعجزات النبي في مصنفه الكبير البداية والنهاية، وهي كثيرة كمعجزة حنين الجذع، وقصة عكة السمن لأم سليم، وقصة شاة جابر بن عبد الله، ومعجزات تكثير الماء التي بلغت وحدها نحو عشرين معجزة كما يذكر الكاتب، وتتنوع المعجزات بتفاصيلها وأبوابها بشكل أوسع وأشمل في السيرة الحلبية (القرن الحادي عشر الهجري)، فهو يفصلها مرحلة مرحلة حسب عمر الرسول، بدءا من ولادته وتساقط النجوم، وتسميته، ورضاعته، والبشارة بمبعثه الشريف، إلى آخرها، وهي كثيرة يعددها الحلبي بثلاثة آلاف معجزة.

    إن المعاجز في التراث السني متمركزة حول شخصية الرسول صلى الله عليه وآله، إلا أنها قد تتعدى لتشمل بعض صحابته بدون تمييز وتركيز على شخص معين ما خلا الخلفاء الراشدين إلى حد ما، أما التراث الشيعي فيجعل الإمام علي شخصية محورية في وقوع المعاجز لها إلى جنب الرسول، بل ربما يتفوق الإمام علي في المعاجز على الرسول، كما يستنتج الكاتب، فلا تكاد تذكر معجزة للرسول إلا وللوصي نصيب منها. ويورد الكاتب العديد من الأمثلة يبدأ فيها من كتاب الهداية الكبرى لمصنفه أبي عبد الله الخصيبي المتوفي في 334 هجرية، منها إحياء أهل الكهف ليشهدوا على الإمام علي أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان، وشهادة الشمس بأفضلية علي، وتكلم النخلات لما أقبل عليها الرسول وعلي، وغيرها من المعجزات الكثيرة الدالة على إمامة الإمام علي والأئمة من ولده. ويعرّج الكاتب على كتاب نوادر المعجزات للطبري الشيعي وفيه الكثير والكثير من المعاجز للإمام علي عليه السلام، كقصة الفرسين ذان الأجنحة التي طار بها الإمام ومعه سلمان الفارسي ليريه معجزات الأنبياء وفي الحديث من العجائب الشيء الكثير، ومن المعاجز إناء الفضة الذي جاء به جبريل للنبي فسبح في يده ولم يسبح في يد أبي بكر وعمر وسبح في يد علي، وأما قصص إحياء الإمام علي للأموات فهي كثيرة لدرجة أن الإمام يحيي الرسول نفسه لكي يشهد على أبي بكر أنه اغتصب حقا ليس له كما يذكر الطبري الشيعي، وهناك معاجز كثيرة يوردها المؤلف في الذين مسخوا بدعوة الإمام علي، وغيرها من الغرائب التي تفوّق فيها المخيال الشيعي على المخيال السني من تطويع قوى الطبيعة والكائنات واختراق الزمان والمكان وغيرها. وهناك مصنفات أخرى كثيرة في هذا الباب لم يتسن لنا استعراضها للكفاية فيما سبق لإيصال الفكرة.

    لو عدنا الآن لاستجلاء الصورة الحقيقية لحال المعجزة في الإسلام مقارنة مع الأديان السماوية الأخرى فسوف نجد أن الصورة مختلفة لحد كبير، فالإيمان بالنبوات السابقة يتحقق بالمعاجز في أغلب الأحيان كما ينقله لنا القرآن الكريم، ولنا أن نطالع قصص الأنبياء في القرآن الكريم لنعرف عمق وحضور المعجزة في الدين اليهودي والمسيحي، فنبي الله موسى أظهر نبوته بالمعجزات كالعصا واليد، وكذلك الأمر بالنسبة لنبي الله عيسى الذي ولد من غير أب وتكلم في مهده وكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وغيرها من المعجزات العديدة التي جرت من قبل الأنبياء السابقين، فالأمم السابقة كانت تؤمن بالمعجزة، في المقابل نجد أن الحال مختلفا تماما لدى النبي العربي، حيث كان حضور العقل هو الطاغي في دعوته لقومه للإيمان بدعوته، والقرآن هو الذي ينقل لنا هذه الصورة الراقية من خلال الدعوات لتفعيل العقل والنظر في الكون وعجائب خلق الله، وفي النفس، ولنتأمل الآيات الكريمة التالية:

    قال تعالى: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) يونس: 34-35

    وقال تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الأنعام: 11-14

    وقال تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) الرعد: 16-17


    في الحقيقة ليس بوسعنا أن نستعرض الآيات الدالة على محورية العقل في الإيمان بالله وبالرسول في الإسلام وذلك لأن معظم القرآن هو على هذا المنوال، وهذا يجعلنا نؤمن بأن الإسلام هو دين العقل، والإيمان فيه قائم بشكل كلي على العقل، ولا وجود للمعجزة إطلاقا في إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وآله، وحتى بعض المعاجز التي يذكرها لنا القرآن كقصة الإسراء والمعراج وانشقاق القمر، نجد أنها لم تأت لتحدي المشركين ودعوتهم للإيمان بالنبي بسبب هذه المعاجز، وهذا ما يجعلنا نتأمل هذا الكم الهائل من المعاجز التي وقعت للرسول أو للإمام علي والأئمة من ولده أو لبعض الصحابة أو ما تعرف بكرامات الأولياء، فالفرق كبير بين الدعوة القرآنية الكامنة وراء تعزيز موقف العقل، وبين هذه المعاجز التي تلغي العقل وتثبت بدلا منه قوة خارقة تفرض على الفرد أن يذعن للموقف والقضية والحدث والشخص بدون الحاجة لتشغيل عقله والتأمل والتفكر قليلا في ذلك.


    ونستطيع في ضوء ذلك أن نفهم أسرارا كثيرة خافية علينا وراء خفوت هذا الضوء الذي كان أهم محرّك للحضارة الإسلامية في مسيرتها الطويلة، وهو العقل. ولا غرابة بعد ذلك في أن نجد أنه في يوم من الأيام كانت الجامعات في إيطاليا تختلف في فلسفة ابن رشد، في الوقت الذي كان يتصارع المحدثون السنة في بغداد على شكل وحجم البراق التي حملت الرسول من مكة إلى بيت المقدس، ويختلف القصاصون الشيعة في الكوفة على عدد القتلى الذين قتلهم أبو الفضل العباس في كربلاء!


    بعد ذلك أقول قد تبدو الدراسة التي قام بها الاستاذ طرابيشي دراسة لا تعني رجال الدين لدى الطائفتين في شيء، لسبب بسيط وهو لأنه ليس مسلما، كما أن عرضه لم يتم وفق المباني التي وضعها رجال الشريعة عبر القرون الطويلة الماضية لدراسة الروايات والتراث والتاريخ. وهذا من وجهة نظري ليس قصورا في البحث، ما دام أن الغرض منه ليس فتح تحقيق في مدى صحة هذه المعاجز والكرامات، فالغاية هو إثارة العقل الراكن إلى هذه المعجزات والمتخدر بسحرها الغيبي الخارق، ليلتفت إلى قوانين الطبيعة ولو للحظة فيعرف كيف تحرّك قوانين الله الكون من حولنا بعيدا عن هذه القصص الجميلة. إن دراسة الرجل مهمة بالنسبة لمن يتطلعون إلى أن يعود الإسلام ليحرك عجلة التاريخ فيستوعب التراث الانساني الضخم الذي أفرزه العلم الحديث، والعقلية المدفونة في المعاجز والكرامات وتقديس الرجال لا يمكنها استيعاب هذا التراث العقلي العلمي الذي وصل إليه الإنسان. وليس أجلى مثال على ذلك والذي يذكره الكاتب نفسه من الفتوى التي أصدرها المفتي العام السابق للديار السعودية الشيخ عبد العزيز بن باز بضلال من يقول بحركة الأرض.


    وختاما أطرح هذا السؤال الذي كان قديما يطرحه علماء اليهود والنصارى على علماء المسلمين، وهو أن نبي الإسلام بلا معجزة، بينما نبي اليهود كان كله معاجز، لأقول: هل يمكن أن تكون النبوة بلا معجزة؟ وهل يمكن أن تكون الإمامة بلا معجزة؟ في اعتقادي أن الحس الحضاري لا تهمه القضايا الخارقة للطبيعة، والقضية التي يجب فرضها على العقل بقوة المعجزة، هي قضية في الغالب لا تهم الإنسان ولا تنفعه في شيء أكثر، بل على العكس هي تضره إذ تقطع تلك الخيوط الرفيعة التي تمسكه بعالم المحسوسات. فالمريض في الحالة هذه يبحث عن معجزة تشفيه من مرضه، بينما في الحالة الأخرى نجده يركض ليعرف الميكروب الذي سبب له كل هذا السقم. والفرق كبير بين نمطي التفكير هذين.


    محمد بن عبد الله العجمي
    كاتب عماني

    هذه المقالة نشرت أصلا في موضوع المنتدى : المعجزة.. أو سبات العقل في الإسلام.. كتبت بواسطة أبو محمود مشاهدة المشاركة الأصلية