Warning: Declaration of vBCms_Item_Content::setItemId() should be compatible with that of vB_Model::setItemId() in ..../packages/vbcms/item/content.php on line 26
وجهات - كتاب خوارق اللاشعور للدكتور علي الوردي
  • كتاب خوارق اللاشعور للدكتور علي الوردي


    كتاب خوارق اللاشعور أحد الكتب المشهورة للباحث الاجتماعي العراقي علي الوردي، والبحث ينصب في خانة الدراسات النفسية الاجتماعية، ويتناول أحد أكثر العلوم حداثة وهو المتعلق بدراسات الشخصية الانسانية وعوامل التفوق والنجاح فيها، ويركز على الجانب الاجتماعي في الموضوع شأن معظم أبحاث المؤلف وكتاباته.

    لقد قرأت الكتاب وشجعني لطرح هذا الموضوع هو الموضوعات الجميلة التي يطرقها الكاتب، كالعبقرية والنجاح والإرادة والنفس والمادة والمنطق وغيرها. وسيكون طرحي هنا هو مجموعة نقولات من الكتاب لمن لا يريد أن يمنح نفسه فرصة الاستمتاع بقراءة الكتاب كاملا، وإن كنت أنصح بها بقوة، بل وأنصح بقراءة كل كتابات الدكتور علي الوردي.


    من المقدمة:

    يقول المؤلف في ص10:

    إن المقاييس التي نميز بها بين المستحيل والممكن من الأمور هي في الواقع مقاييس نسبية. إذ هي منبعثة من التقاليد والمصطلحات والمواضعات الاجتماعية التي تعود عليها الفرد أو أوحي بها إليه في بيته أو مدرسته أو ناديه... فالفرد الذي لم ير مذياعا ول يسمع عن الإذاعة شيئا من قبل لا يكاد يصدق إذا أخبره أحد أصدقائه بأن هناك آلة يسمع بها الإنسان صوت غيره على بعد آلاف الأميال. ومن الأقوال التي كان الغزالي يرددها في كتبه قوله: "إن الإنسان يستغرب ما لم يعهده، حتى لو حدثه أحد أنه لو حك خشبة بخشبة، لخرج منها شيء أحمر بمقدار عدسة يأكل هذه البلدة وأهلها، ولم يكن رأى النار قط، لاستغرب ذلك وأنكره".

    ومما لا مراء فيه أن كل واحد منا يشابه هذا الذي ينكر المذياع أو ينكر النار قليلا أو كثيرا. إن تركيب العقل البشري متماثل في جميع الناس سيان في ذلك بين المتعلمين منهم وغير المتعلمين. فكل إنسان على عقله منظار أو إطار ينظر إلى الكون من خلاله، وهو إذن لا يصدق بالأمور خارج هذا الإطار. وكثيرا ما يختلف اثنان على حقيقة من الحقائق: هذا يؤمن بها كأنه يراها رأي العين وذلك ينكر وجودها إنكارا تاما. فإذا فحصنا مصدر الخلاف وجدناه كامنا في الإطار الذي ينظر به كل منهما إلى الحقيقة. إنهما ربما كانا على درجة متقاربة من الذكاء وقوة التكفير، ولكن الإطار الذي وضع على عقل كل منهما جعل أحدهما ينظر إلى الحقيقة من زاوية تختلف عن زاوية الآخر.
    إن البلاهة إذا أن نحاول إقناع غيرنا على رأي من الآراء بنفس البراهين التي نقنع بها أنفسنا. يجدر بنا أن نغير وجهة إطاره الفكري أولا وإذ ذاك نجده قد مال إلى الإصغاء إلى براهيننا بشكل يدعو إلى العجب الشديد.


    ويقول في ص14:

    إن النجاح في الحقيقة أمر نادر لا يستطيع أن يناله إلا القليل من الناس مهما كان نوع النظامالذي يعيشون فيه، فلو نجح جميع الناس وبرعو كلهم على درجة واحدة لوقف التطور الاجتماعي ولأصبح البشر مثل أسراب النحل التي تصنع الخلية وتجمع العسل، كل نحلة بارعة في وظيفتها منهمكة فيها بحيث لا يتطرق الخلل أو النقص إلى شيء مما تعمل.

    إن تطور المجتمع البشري ناشئ من هذه المنافسة الحادة التي تدفع كل فرد على أن يبرع وأن يتفوق على غيره. فالتطور قائم إذن على أكوام من أبدان الضحايا، أبدان الذين فشلوا في الحياة فصعد على أكتافهم الناجحون. وسوف لا نتظرق إذن إلى أسباب النجاح الزائف الذي يأتي من الوساطة أو القربى أو الاستحذاء أو التملق أو السمسرة. تلك الطرق التي يلجأ إليها بعض ضعاف النفوس في سبيل الوصول إلى نجاح. إن هذا لا نعتبره نجاحا بالمعنى الحقيقي. فالنجاح الذي نقصده هو الذي يستفيد منه الفرد والمجتمع معا. وهذا هو النجاح الذي يبقى أثره على مرور الأجيال. إنه نجاح المخترع والمكتشف والعالم والباحث والمعلم والطبيب والمهندس والمحامي والمدير والتاجر والقائد والزعيب والخطيب وغيرهم من أولئك الذين يضيفون إلى تراث الحضارة البشرية كل يوم شيئا جديدا.
    لقد ثبت علميا بأن قسطا كبيرا من هذه الانجازات الخالدة التي قام بها هؤلاء الناجحون والنابغون جاء نتيجة الإلهام الذي انبثق من أغوار اللاشعور.


    ويقول في ص28:

    ربما كنت غير مخطئ إذا قلت بأن كل واحد منا يشعر بأثر القوى النفسية في حياته. وبعضنا يميل إلى الاعتراف بها إذا خلا إلى أقربائه وأصدقائه المقربين ثم ينكرها إذا واجه حفلا أو جلس مجلس التمشدق والادعاء. وأظن بأن بحث القوى النفسية ينفع كثيرا منا. فهو يكشف لنا عما في أعماق نفوسنا من كنوز ودفائن. وطالما جرّ إغفالنا لها إلى خسائر ونكبات نحن في غنى عنها.

    إن هذه القوى النفسية موجودة في جميع الناس تقريبا لكنها لا تظهر فيهم على درجة واحدة. فأغلب الناس يملكون منها قسطا ضئيلا لا يكادون يحسون به في أنفسهم، وهم قد ينتفعون منها من حيث لا يشعرون. وهي على كل حال قد تظهر في غاية الوضوح لدى بعض النادرين من الناس فتجعلهم يأتون بالغرائب ويقومون بالخوارق المدهشة. إن هؤلاء كما قلنا نادرون قد قل ظهورهم في تاريخ العالم ولا يكاد يتجاوز عددهم في كل جيل عد أصابع اليدين والرجلين. فمن هؤلاء النادرين أولئك الذي يمشون على النار حفاة والذين يضربون أنفسهم بالسلاح والذين يطيرون في الهواء والذي يحركون بعض الأشياء من غير أن يتقربوا منها والذين يقرأون أفكار غيرهم بجلاء والذي يتنبأون عن بعض حوادث المستقبل.

    ولا يخفى على القارئ منا لعب هؤلاء في التاريخ من أدوار شتى. فمنهم ظهر عدد كبير من الأنبياء والقديسين والمتصوفة والكهان والسحرة والعباقرة وغيرهم. وقد ذهب برجسون وتوينبي وغيرهما أن الطفرات الحضارية قد قام بها في الغالب بعض هؤلاء النادرين. وإني لأعتقد بأن هؤلاء قد استطاعوا بما يملكون من قوى نفسية خارقة أن يقفزوا بالبشرية إلى الأمام وإلى الوراء على حد سواء. فبينهم نجد الأنبياء والعباقرة كما نجد الكهان والسحرة أيضا. إن هذه القوى إذن كغيرها من مواهب الإنسان يمكن استخدامها في سبيل الخير والشر معا. فهي كمثل السلاح قد يستخدمه الإنسان في ظلم غيره وقد يستخدمه كذلك في كفاح الظالمين."


    الفصل الأول: الإطار الفكري


    ويقول في ص 45:

    إن الإطار الفكري الذي ينظر الإنسان من خلاله إلى الكون مؤلف جزؤه الأكبر من المصطلحات والمألوفات والمفترضات التي يوحي بها المجتمع إليه ويغرزها في أعماق عقله الباطن. والإناسن إذ متأثر بها من حيث لا يشعر. فهو حين ينظر إلى ماحوله لا يدرك أن نظرته مقيدة ومحدودة. وكل يقينه أنه حر في تفكيره. وهنا يكمن الخطر، فهو لا يكاد يرى أحدا يخالفه في رأيه حتى يثور غاضبا ويتحفز للإعتداء عليه. وهو عندما يعتدي على المخالف له بالرأي لا يعد ذلك شينا ولا ظلما إذ هو يعتقد بأنه يجاهد في سبيل الحقيقة ويكافح ضد الباطل. وأغلب الحروب التي شنها البشر بعضهم على بعض في سبيل مذهب من المذاهب الدينية أو السياسية ناتجة عن وجود هذا الإطار اللاشعوري على عقل الإنسان. ومن الغريب أن نرى رجلا يضطهد غيره من أجل دينه أو رأيه ثم ينقلب فجأة فيصبح بجانب الذي كان يضطهده حيث يأخذ إذ ذاك باضطهاد من كان على رأيه السابق. لقد تغير رأيه ثم بقي فيه شيء واحد لم يتغير، هو إطاره الفكري.

    إن الإنسان لا يستطيع أن يتخلص من إطاره الفكري إلا نادرا. فهو فرض لازب عليه. فالإطار شيء كامن في اللاشعور كما ألمحنا إليه آنفا. ولعل بعض الأفذاذ النادرين من الناس يستطيعون أن يدركوا ما ركب على عقولهم من إطار، فهم يتحيزون قليلا أو كثيرا ولكنهم يدركون في الوقت نفسه أنهم متحيزون. وهؤلاء حين تخلو نفوسهم من الغرض يصبحون قادرين على الكشف العلمي وقد يظهر على أيديهم أحيانا كثير من المبتدعات والنظريات الجديدة.
    إن الاختراع أو الابداع هو تركيب بين شيئين قديمين. ولهذا السبب كان المتعصب لرأي من الآراء أو طريقة من الطرق بعيدا عن الابداع أو الاختراع أو التجديد. ولهذا السبب أيضا كانت خطب المقلدين وأبحاثهم خالية في الغالب من كل روعة أو فكرة جديدة، إنهم يكررون ما قال السلف من معنى بلفظ جديد. إن الباحث المبدع يمتاز عن الرجل العادي بكونه يعترف بإطاره الفكري، ولذا فهو أقدر على مواجهة الحقيقة الجديدة من غيره. والعجيب أن بعض الناس ينكرون وجود إطار على عقولهم، إنهم بهذا يبرهنون على تعصبهم الشديد. فكلما اشتد اعتقاد إنسان بأنه حر في تفكيره زاد اعتقادي بعبوديته الفكرية.


    ويقول في ص 58:

    التقى فارسان من فرسان القرون الوسطى عند نصب قديم فاختلفا في لونه، أحدهما يقول إنه أصفر والآخر يقول إنه أزرق. والواقع أن النصب كان أصفر وأزرق في آن واحد، حيث كان مصبوغا في أحد وجهيه بلون يخالف لون الوجه الآخر. ولم يشأ هذا الفارسان الشهمان أن يقفا لحظة ليتفحصا لون النصب من كلا وجهيه. لقد كان همّ كل منهما منصبا على تفنيد الآخر وإعلان خطئه. وكانت النتيجة أنهما تبادلا الشتائم اللاذعة ثم تبادلا ضرب السيوف والرماح من بعد ذلك. هكذا يتنازع الناس في أغلب أمورهم. فكل واحد منهم ينظر إلى الحقيقة من زاويته الخاصة ثم يريد من الغير أن يرى مثل ما يراه هو.

    إن مشكلة النزاع البشري هي مشكلة المعايير والمناظير قبل أن تكون مشكلة الحق والباطل. وما كان الناس يحسبون أنه نزاع بين حق وباطل هو الواقع نزاع بين حق وحق آخر. فكل متنازع في الغالب يعتقد أنه المحق وخصمه المبطل، ولو نظرت إلى الأمور من الزاوية نفسها التي ينظر منها أي متنازع لوجدت شيئا من الحق معه قليلا أو كثيرا. تقول مدام (شتايل) في قول لها مشهور: "لو عرفت كل شيء لعذرت كل فرط". وهذا قول صحيح من بعض الوجوه، فكل إنسان تستطيع أن تعذره لو نظرت إلى الأمور بنفس المنظار الذي ينظر إليها به. والغريب أن بعض الناس يعذرون المجنون فيما يعمل ولا يعذرون المجرم. هذا مع العلم أن المجرم كالمجنون له عقليته الخاصة التي تدفعه إلى الجريمة. وربما كان المجتمع الذي يعاقب المجرم هو الذي يستحق العقاب بدلا منه.

    ولا يعني هذا أننا لا نجيز عقاب المجرم. فالمجرم كثيرا ما تجب معاقبته في سبيل الصالح العام. هذا ولكننا ينبغي أن نعترف بأننا حين نعاقب المجرم نظلمه. ومعنى ذلك أن عقاب المجرم شر لا بد منه. فهو ظلم قليل في سبيل عدل كثير. إن المنطق الحديث لا يؤمن بالعدل المطلق كما أنه لا يؤمن بالحق المطلق. فليس هناك في نظر هذا المنطق عدل يمكن أن يشمل الناس جميعا. وكل من يدعو إلى الحق إنما هو يريد، من حيث يشعر أو لا يشعر، أن يخدع الناس أو أن يجذبهم لجانبه وجانب جماعته، فالحياة في الواقع هي نزاع بين المصالح المختلفة. وكل إنسان، حتى القاتل وقاطع الطريق، يرى الحق من خلال منظاره الخاص، ولذا كان العدل هو في أن تنحاز إلى جانب العدد الأكبر ضد العدد الأصغر. وبعبارة أخرى: إن الظلم ضروري أحيانا، وذلك حين يتصادم حقان ويكون أحدهما عائدا لفئة صغيرة تريد أن تتنعم على حساب الفئة الكبيرة. إن الحق يدعوك عند ذاك إلى أن تكون ظالما حتى تمحق ذلك الحق الضعيف وتنسفه من الوجود نسفا.


    ويقول في ص 66 حول العبقرية:

    وهنا يعرض لنا سؤال له صلة مباشرة بموضوع هذا الكتاب، وهو: ما هي العبقرية؟
    والجواب على هذا صعب جدا. فلا يزال الباحثون مختلفين في موضوع العبقرية اختلافا شديدا. وكل باحث يأتي بتفسير للعبقرية يفترق عن تفسير الآخر في قليل أو كثير. ولكن الذي يلفت النظر في أمر العبقرية هو أن الكثيرين ممن بحثوا هذا الموضوع كادوا يتفقون على وجود شيء من التشابه بين بعض ظواهر العبقرية وظواهر الجنون. والغريب أننا نجد ما يقارب هذا المعنى لدى كثير من الشعوب القطرية والأمم القديمة. ولفظة العبقرية في اللغة العربية منسوبة إلى وادي عبقر الذي كان عرب الجاهلية يعتقدون أنه واد مملوء بالجن. ويقابل هذه اللفظة في اللغة الانجليزية لكلمة (جينس) وهي مأخوذة من لفظة (جني) بالعربية على أرجح الظن. إن الأبحاث النفسية الحديثة تشير إلى أن العبقري حين ينتج إنتاجه الرائع لا يشعر بنفسه، فهو يدخل في حالة شاذة لها شبه بالصرع أو الغيبوبة أو الهذيان. ويرى بعض الباحثين أن العبقري يتقمص عند الإنتاج شخصية أخرى غير شخصيته الاعتيادية وهو حين يرجع إلى حالته الاعتيادية ينذهل من روعة إنتاجه ويعجب كيف استطاع هو نفسه أن ينتجه.

    يقول (كيتس) الأديب الانجليزي المعروف: إنه كان يشعر عند الإنتاج بأن شخصا آخر في داخله يملي عليه، وهو لا يكاد يدرك جمال الأفكار التي يأتي بها إلا بعد أن ينتهي من كتابتها. ويقول(ِشيللي): إنه عندما يستحر دماغه ببعض الأفكار يأخذ بالغليان فيقذف عند ذلك بالصور والتعابير بسرعة أكبر مما يستطيع هو أن يسجلها على الورق. إن هذا على كل حال موضوع سنعود إلى البحث فيه بإسهاب في فصل قادم ولكن ما نريد أن يفهمه القارئ هنا هو أن العبقرية فيها شيء من الخروج عن الذات والدخول في عالم آر لا نعرف مداه الآن معرفة تامة. فهي تعتبر نوعا من أنواع الجنون أحيانا لأنها تخرج بصاحبها عن حالته الاعتيادية وتجعله ينظر إلى الحياة بمنظار ثاقب نفّاذ لم يعهده الناس من قبل. والواقع أن المنغمس في إطاره الفكري والذي يجمد على ما اعتاد عليه من مألوفات اجتماعية وحضارية يصعب عليه أن يكون مبدعا أو عبقريا.

    إن الإطار الفكري مؤلف من العقد النفسية والعادات الاجتماعية والقيم الحضارية، وهذه تعتبر بمثابة العراقيل التي تقف في طريق الابداع الحر. إن العبقري كثيرا ما يضحك على نفسه وعلى جماعته، وهو لا يكاد يعرف الخجل أحيانا. إن نفسه قد تحررت من القيود التي يتقيد بها غيره عادة، فهو منطلق يطير في الأجواء حيث يستطيع أن يرى ثمة ما لا يراه المتحذلقون والمتكلفون. ولنا أن نقول في هذا الصدد إن القوى النفسية الخارقة تنبعث من أغوار النفس العبقرية انبعاثا طليقا فينتج على يد العبقري ما لا يستطيع أن ينتجه المنافقون والمتعصبون والمقلدون.


    الفصل الثاني: المنطق الأرسطوطاليسي


    ويقول في ص 75:

    يتحدث كثير من المتعلمين عن المنطق وهم لا يعرفون عن ماهيته شيئا، فهم يقولون عن كلام أحدهم بأنه منطقي، وعن كلام آخر أنه غير منطقي، فإذا سألتهم لماذا؟ حكوا رؤوسهم حيرة وافرنقعوا من غير جواب. يُقال في تعريف المنطق: أنه علم القوانين التي تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في التفكير، ويسمى أيضا (الميزان) على اعتبار أنه كالميزان إذ تُقاس به الأفكار، ويميز به الصواب عن الخطأ منها. والقدماء لم يعرفوا إلا منطقا واحدا، وهو منطق أرسطوطاليس، وقد بقى هذا المنطق مرجع المفكرين في جميع العصور، حيث اعتقدوا أنه المنطق العام الخالد، الذي لا يجوز فيه التبديل والتغيير. يقول (كانت): أنه منذ أيام أرسطو لم يتراجع في المنطق خطوة واحدة إلى الوراء، وكذلك لم يتقدم إلى الأمام، ولعله قد اعتبر على ما يظهر تاما كاملا".

    ولقد اقتبس هذا المنطق المفكرون المسلمون وغروا به غرورا عظيما، وقد تطرف بعضهم في تمجيده حتى عده مقاربا في عظمته لكلام الله ومكملا له. ويدرس هذا المنطق في كثير من مدارسنا الدينية في الوقت الحاضر، وهو يعتبر من جملة العلوم الأساسية التي يجدر برجل الدين أن يحذقها لكي يتمكن من وعظ الناس ومجادلة الخصوم.
    والمحور الذي يدور حوله منطق أرسطو هو ما يسمى بالقياس، وهذا القياس يتسلل تسللا تدريجيا من المعلوم إلى المجهول، أو على حد تعبير المناطقة، من المقدمات إلى النتائج حسب قواعد أو قيود أصلحوها. فهم يقولون في مثل مشهور لديهم: كل إنسان فان، وسقراط إنسان، فسقراط إذن فانٍ. وهذا النمط من التدرج في التفكير هو الطابع الذي يتميز به منطق أرسطو. إنه نمط يغلب على أكثر مجادلاتنا وأحاديثنا. وهو منتشر انتشارا فظيعا في البيئات الدينية عندنا، فأنت لا تكاد تثير نقاشا مع أحدهم حتى تراه قد شهر في وجهك هذا القياس المنطقي الصارم؟، وظل يصاولك به حتى تسأم أو تثور.


    ويقول في ص 81:

    إننا لا نزال متأثرين بمنطق أرسطو تأثرا كبيرا ولا نزال ننظر في الأمور من خلال مقولاته وقوانينه. يوصف منطق أرسطو أحيانا بأنه منطق فوتوغرافي وذلك مقارنة له بالمنطق الجديد الذي هو منطق سينمائي. فمنطق أرسطو يريد أن يأخذ عن الأمور صورة ثابتة مطلقة ويعتبرها نهائية. هذا بينما الحياة في حركة متواصلة والفوتوغراف لا يمثل من حقيقتها إلا لحظة عابرة. فالمناطقة القدماء قد يحكموا على شيء أنه خير أو أنه شر ويظلون يتدرجون في أقيستهم المنطقية بعدئذ استنادا على حكمهم الأول هذا، غير دارين بأن الشيء ربما تغير في طبيعته بعد صدور الحكم عليه، وهو ربما أصبح خيرا بعدما كان شرا أو شرا بعدما كان خيرا.

    إن منطق أرسطو يصلح للوعظ والمشاغبة معا. فالواعظ الذي يرقى المنبر لإنذار الناس بالويل والثبور، والمشاغب الذي يبحث عن عيوب الناس لينتقدها، كلاهما يستعمل هذا المنطق في الهجوم والدفاع. فهو منطق الوعظ لا الاتعاظ، إذ أن المولع به شديد في وعظ غيره بينما هو بعيد عن الاتعاظ بما يعظ به. فهو يتلمح في سلوك كل فرد من الأفراد المحتكين به تناقضا منطقيا ولكنه لا يرى ذلك التناقض في نفسه. إن هذه العادة تظهر بجلاء في بعض رجال الدين. وهي منتشرة انتشارا كبيرا في البيئات التي تكثر فيها الحرف الدينية كالوعظ والإرشاد وتوزيع الصدقات. ففي هذه البيئات تدرس علوم المنطق والنحو والفقه والكلام وغيرها، وجميع هذه العلوم تستعمل الأقيسة المنطقية كثيرا وتعود الذهن على التفكير الذي يحرض صاحبه على المشاغبة والوعظ الاعتدائي.

    ففي هذه البيئات نجد الجدل محتدا كل حين، والناس يرقبون المتجادلين ليروا أيهما أكثر إفهاما لخصمه وأقوى لسانا وأعلى صوتا. وهذا يؤدي طبعا إلى ازدواج الشخصية. فكل فرد هناك يتأثر بهذا الجو الفكري قليلا أو كثيرا، ويكون إذن ميالا إلى الجدل محبا للفوز فيه على أية صورة. ولذا تجده أمسى سوفسطائيا في حقيقة أمره أرسطوطاليسيا في منطقه. فهو في عقله الباطن قد نسي الحقيقة ووجه اهتمامه نحو التغلب على خصمه في الجدل، بينما هو في عقله الظاهر يدعي حب الحقيقة وأنه يريد الوصول إليها. وهو قد يستعمل أقيسته المنطقية جريا وراء عواطفه، فإذا كره شخصا ثم رآه يضحك هتف قائلا على طريقته المنطقية المعتادة: الضحك من غير سبب من قلة الأدب، وفلان قد ضحك من غير سبب، إن فلان إذن قليل الأدب.


    ويقول في ص 96 حول التفكير المنطقي:

    إن المبتلى بمنطق أرسطو يؤذي نفسه ويعرقل سبيل نجاحه من نواح ثلاث:

    (1) يكون أولا كثير الأعداء قليل الأصدقاء. فالمبتلى بهذا المنطق يكون في العادة ميالا إلى الجدل شديد الوطأة فيه. إنه قد اعتاد على النظر في الحقيقة نظرا ضيقا، وهو لا يكاد يلمح في أحد الناس تناقضا بسيطا في القول أو العمل حتى تراه قد انهال عليه نقدا ولمزا واعتداءً على طريقته القياسية ذات الحدين. إنه ينسى بأن التناقض صفة أصيلة في طبيعة الإنسان، وإنه هو نفسه مبتلٍ بهذا الداء الذي ينتقد غيره عليه. وهو ينسى أيضا بأن الجدل غير مجد في أغلب الأحيان وإنه لن يصل إلى نتيجة مرضية فيه مهما كانت الأدلة المنطقية التي يأتي بها قوية ومفحمة. وهو قد يحسب بأن من العار عليه أن يغلبه أحد في الجدل، ولذا تراه يواصل جداله في الحق والباطل إلى أبعد مدى. إنه يقع في ذلك بين أمرين: إما أن يغلب خصمه فيجعله عدوا لدودا له أو ينغلب أمامه فتصيبه مرارة الخيبة.

    والواقع أن يكون المرء مغلوبا في الجدل خير من أن يكون غالبا. فليس ثمة انتصار حقيقي في الجدل المنطقي. وكل انتصار في الظاهر هو إخفاق في الباطن، إذ يؤجج نار الحقد والضغينة في قلب المغلوب. وأرجو من القارئ أن لا ينخدع بما يتحذلق به المتحذلقون من أنهم يحبون الحقيقة ويريدون الوصول إليها بأي ثمن. إن هذا هراء ما بعده هراء. إن الإنسان حيوان وابن حيوان وذو نسب في الحيوانات عريق. فهو يرد من صميم قلبه أن يكون غالبا ويكره أن يكون مغلوبا على أية حال. إن الغلبة هي رمز البقاء في معركة الحياة. ومن النادر أن نجد إنسانا يلذ له أن يصل إلى الحقيقة وهو مغلوب أو مهان أو خاسر إن إرادة الحياة - كما قال شوبنهاور - هي الغرض الأول في سلوك الانسان، وما طلب الحقيقة في الغالب إلا عرض ثانوي قد يتلبّس بالخداع أحيانا.

    (2) والمبتلى بداء الجدل المنطقي قد يؤذي نفسه من ناحية أخرى فهو يتصور الناس كلهم منطقيين في أعمالهم، ويفترض فيهم أنهم يسيرون على ما يقتضيه القياس الأرسطوطاليسي. فإذا رآهم يسيرون على نقيض ما تصوّر، صرخ غاضبا وأخذ يخاطب ويعظ وينذ الناس بالويل والثبور. إن الناس في حياتهم العملية بعيدون عن المنطق، فهم لا يتبعون مقياس الحق والعدل في أعمالهم اليومية، وإنما تجرفهم في ذلك البهارج والاندفاعات والتقاليد والمظاهر.
    إن القياس المنطقي صحيح ومقنع منطقيا، ولكن حياة الواقع للأسف تسير على منوال يختلف عن هذا المنوال المنطقي، فالنجاح مشروع له أسبابه المتعددة والمعقدة. والحياة عادة لا ترضخ للتصنيف الثنائي كما ذكرنا. فالمقارنة بين شخصين من أجل القيام بمشروع تصح إذا اكتفينا فيها بذكر أن أحدهما أًصلح من الآخر. وقد يكون هذا الصلاح الذي نقصده في المقارنة بينهما هو سبب الفشل، لا النجاح في المشروع. فقد يكون أحدهما أذكى من الآخر وأسمى خلقا، ولكن ذكاءه هذا أو سمو خلقه كانا من أسباب فشله في السوق، حيث يجعلانه أرفع مما يستطيع أن يفهم مجريات السوق ونواميس الواقع، فهو يشغل ذهنه بأمور لا تلائم طبيعة الناس ولا تتماشى معها، وفي هذا يكون الفشل الذريع.

    (3) والتكفير المنطقي يؤدي إلى الفشل من ناحية ثالثة: إذ هو يحول بين الفرد وبين استثماره لقواه النفسية الخارقة. إن القوى النفسية تنبثق من أعماق اللاشعور انبثاقا آنيا مباغتا، فهي لا تحتاج إلى مقدمات فكرية أو قياسات منطقية. إنها بالأحرى تحتاج إلى خمول أو ذهول لا تكدره أية خلجة فكرية واعية. والمبتلى بالتفكير المنطقي لا يقوم بعمل إلا بعد تفكير نظامي دقيق. وهو حين ينشغل بهذا تفوته كثير من فوائد الإلهام الآني الذي يخترق حجب الغيب.

    هذه المقالة نشرت أصلا في موضوع المنتدى : كتاب خوارق اللاشعور للدكتور علي الوردي كتبت بواسطة أبو محمود مشاهدة المشاركة الأصلية
    تعليقات 1 تعليق
    1. الصورة الرمزية قلب برئ
      قلب برئ -


      كتاب رائع جدا
      اكثر شي عجبني عندما تحدث عن العبقريه كانت عندي خلفيه بسيطه عن اصلها انها منسوبه لوادي عبقر، يعتقد العرب الجاهليه ان الجن تبعث لهم بالمعارف وخاصه الشعر
      ذكرني بحادثه جرير لما كان يمشي على يديه ينتظر إلهام من وادي عبقر

      شكرا جدا للمقال ....
      احسنت الاختيار بوس