Warning: Declaration of vBCms_Item_Content::setItemId() should be compatible with that of vB_Model::setItemId() in ..../packages/vbcms/item/content.php on line 26
وجهات - هل إيران هي العدو الجديد للعرب؟
  • هل إيران هي العدو الجديد للعرب؟



    لقد كنت أستمع لخطبة جمعة لسماحة الشيخ حسن الصفار، وكان سماحته يتحدّث في مختلف القضايا التي تهمّ وطنه المملكة العربية السعودية، وكان مما أثاره موضوع من هو عدو العرب؟ فأشار إلى المحاولات الجديدة القديمة إلى خلق عدوّا جديدا بديلا لإسرائيل، وهو إيران كدولة مسلحة تسليحا نوويا.

    لقد شدّني حديث سماحته، وهو يمارس مثل هذه التوعية السياسية في ظل سلطة سياسية أو دينية تسعى بكل جهد أن تبعد المواطن العربي عن مثل هذا الوعي، فعليه أن يشتغل بلقمة عيشه ويترك ما لقيصر لقيصر، ولا يتدخّل فيما لا يعنيه، أو ما لا يستطيع عقله أن يدركه عمليا أو نظريا.

    إننا بحاجة فعلا إلى مثل هذه الإشارات التي تجعل الأمة على وعي بالتحديات الخطيرة التي تواجهها، فقد أدّت الانتصارات الأخيرة التي أثبتتها المقاومة اللبنانية والفلسطينية، إلى واقع جديد لم يكن مألوفا في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، إذ لم تكن الكلمة التي ألقاها نتنياهو أمام أكبر تجمّع موالي لإسرائيل في الولايات المتحدة بالتي تمر مرور الكرام دون أن تترك جرحا في جسد الأمة، عندما صرّح: أستطيع أن أقول لأول مرة في حياتي إن العرب والإسرائيليين يرون اليوم عدوهم المشترك" يقصد إيران، فيجب أن نقف طويلا أمام هذه الكلمة، إذ يُراد منها فرض عدو جديد على العرب، وبالتالي يتولون هم مسؤولية محاربة هذا العدو الجديد بدلا من إسرائيل، وهذا ما نتلمّسه في مواقف بعض الأنظمة العربية وللأسف الشديد.

    يحلل الكاتب محمد بن المختار الشنقيطي مثل هذا الوضع في مقال له على الجزيرة نت، ويستعرض مثل هذه الحالة الكئيبة التي وصل إليها الوضع العربي، في ظل غياب أبسط مقوّمات القرار العربي الموحّد، فهو يشير إلى العلاقات المتوترة عبر التاريخ بين العرب والفرس، ويستعرض بعض نماذج الشعوبية التي كانت سائدة سواء في الأدب العربي أو في الأدب الفارسي، وفي نفس الوقت يستعرض بعض المواقف الجميلة في تاريخ التلاقي العربي الفارسي، ويضرب على ذلك أمثلة من رحلات ابن بطوطة إلى شيراز، وحركة الترجمة السائدة لدى الطرفين لتبادل الإنتاج الأدبي والثقافي، فيضرب أمثلة على ترجمة إنتاج بعض الشعراء المصريين كأحمد رامي وعبد الوهاب عزام إلى الفارسية، وترجمة بعض الكتب كظلال القرآن لسيد قطب والمثير أن الذي ترجمه إلى الفارسية هو المرشد الروحي للثورة آية الله السيد علي الخامنئي، بيد أن الكاتب يعرّج على القطيعة الحالية مع صعود نجم الحركات التكفيرية والتغلغل الأمريكي في المنطقة.

    إن هذا الوضع الحالي هو وضع طبيعي إذا نظرنا إليه من زاوية المصالح السياسية المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل وأنظمة بعض الدول العربية، ولكن الأمر الغير طبيعي هو الطريقة الاستفزازية في فرض هذا العدو على الأمة، إذ تمارس دوائر الإعلام نوعا من الاستغفال أو الاستحمار إن صح التعبير تجاه عقل الأمة، وذلك بإلغاء المدخلات الكثيرة للمواقف الصهيوينة منذ مئة سنة أو أكثر، والقفز مباشرة إلى مخرجات مواقف الدعم الإيراني لحركات المقاومة العربية، وتهويل تصريحات بعض الأطراف الإيرانية أو الموالية لها وجعلها في مستوى مذبحة دير ياسين ومجزرة قانا. إن هذا النوع من الضحك على عقل الأمة وإقناعها بالقوة بقبول العدو الجديد هو الأمر المثير للحزن، وكأن الأمة العربية لا تعرف مصالحها ولا تعرف من هو العدو ومن هو الصديق.

    ولأ أريد هنا أن أدافع عن إيران وعن مواقف إيران تجاه مختلف القضايا العربية، ولكن أريد ان أدافع عن هذا العقل العربي الذي يدرك ويعرف تمام المعرفة أن إيران إذا لم تكن صديقة فإنها ليست عدوة، وعبر التاريخ لم يُعان العرب من الفرس ما عانوه من الحكم العثماني ثم الاستعمار الغربي وأخيرا من الحركة الصهيونية العالمية، ولا يمكن أن يخرج هذا الخلاف الأيديلوجي بين العرب والفرس في فهم الدين المشترك، عن نطاق الاختلاف في فهم التاريخ وفي فهم العقائد وفي فهم المصطلحات الدينية، تماما كأي خلاف عربي عربي في فهم الدين. نعم قد تكون هناك عداوة تاريخية قديمة ومتأصّلة في النفوس لدى كل جانب تجاه الآخر، ولكن عندما تكون هناك مقارنة مع عدو خارجي يحمل أهدافا استعمارية ويُمارس أبشع أنواع التمييز ضد العرب، فإن هذا العداوة التاريخية من السهل أن تتحوّل إلى حلف تفرضه المصالح المشتركة للشعبين العربي والفارسي اللذين عانا طويلا من مرارة الاستعمار الغربي والصهيوني وخصوصا أن هذا الأخير دائما ما يقف في وجه مصالح الأمتين.

    وفي هذا نفس هذا الإطار من المهم جدا أن أشير إلى أن هناك دورا مفقودا يجب أن تمارسه مراكز البحث والدراسات الاستراتيجية العربية تجاه العلاقات العربية الإيرانية عبر التاريخ وخلال الثلاثين سنة الأخيرة، فالمكتبة العربية تفتقر إلى دراسات يجب أن تكون ذات طابع عسكري وسياسي لتنبيه الأمة إلى مايُراد فرضه عليها، وإلى تحليل المواقف الإيرانية تجاه كل قضية من قضايا الأمة، والبحث عن نقاط الاختلاف والإشتراك بين الطرفين. وفي اعتقادي أن من شأن مثل هذه الدراسات أن تكشف الكثير من الأسرار وتعرّي الادعاءات الأمريكية والاسرائيلية حول إيران كعدو يهدد الأمن القومي العربي، كما من شأنه أن تعدّ العقل العربي لواقع جديد يستطيع أن يتعامل معه بالطريقة الصحيحة فيما لو وقع.

    إن المواقف الحالية التي نراها بين الحين والآخر تنبئ عن مخطط جديد يراد فرضه على الساحة، فهناك نوع من التهيئة للعقل العربي يُمارس بشكل وآخر، تمهيدا لحرب جديدة سوف تفرض على المنطقة خلال سنوات، بحيث يجب تحييد الإراد العربية المتمثّلة بالأمة والشعوب العربية، وما هذا الهدوء الأمريكي المتمثّل بتوقّف لغة التهديد تجاه إيران إلا نوعا من الصمت الذي يسبق البدء في تنفيذ المخطط المرسوم، وقد كان هناك تعويل على كسر المقاومة قد فشل، وهذا يعني أن سياسة اجتثاث الأطراف لن تعمل، إذ يجب ضرب الرأس كما يتصوّرون. ونحن كما أعتقد مقبلون على حرب جديدة قد لن تمرّ دون أن تترك آثارا في غاية الألم على الشعوب المسلمة في المنطقة، والشعوب العربية ليس من مصلحتها مثل هذه الحرب، وبظنّي هي قادرة على منعها أو على الأقل التقليل من آثارها من خلال ممارسة الوعي السياسي القائم على معرفة العدو والصديق بعيدا عن تأثير الإعلام الصهيوني والعربي الرسمي، وأختم مقالي هذا كما ختمه الأخ الشنقيطي عندما قال: "سحقا لمن ينتظر من نتنياهو دروسا في تعريف العدو والصديق".


    بقلم/ محمد بن عبد الله العجمي

    هذا المقال كتب في مايو 2009
    هذه المقالة نشرت أصلا في موضوع المنتدى : هل إيران هي العدو الجديد للعرب؟ كتبت بواسطة أبو محمود مشاهدة المشاركة الأصلية