Warning: Declaration of vBCms_Item_Content::setItemId() should be compatible with that of vB_Model::setItemId() in ..../packages/vbcms/item/content.php on line 26
وجهات - كيف نحيي ثورة الحسين؟
  • كيف نحيي ثورة الحسين؟



    يحتفل المسلمون الشيعة بذكرى عاشوراء باعتبارها مناسبة دينية، وعلى اعتبار أن ثورة الحسين الشهيد جزء من الدين. لهذا يتم التأكيد على دوافعها الدينية وأن الحسين مأمور من الله ورسوله بهذه الثورة. لهذا فإن مراسيم وفعاليات إحياء الذكرى تتسم بالصبغة الدينية ونجد الخطباء يؤكدون على مسألة الأجر والثواب، وأنه لولا هذه الثورة لاندثر الإسلام ومات.

    لست هنا في بيان عدم صحة ذلك لأن ادخال أي ثورة مهما كانت دوافعها في صلب الدين أمر يحتاج لمراجعة وتدقيق، وإنما بصدد بيان كيف نحيي قضية الحسين ونهضته وحركته، بحيث تعكس وجوهرها الإصلاحي باعتبارها ثورة جاءت لإصلاح الإنسان لا لإصلاح وحفظ دين الإسلام كما يتوهم الكثيرون، وهنا أقدم هذه المقترحات والتصورات التي أراها أكثر تلاؤما مع هذا التصور وأكثر مناسبة لحاجات العصر والجيل الجديد.

    ومن المهم في البداية أن نؤكد أن إحياء ذكرى المناسبة يجب فصله تماما عن الدين وعن الحسين نفسه، بمعنى أن يكون الإحياء لأجل الإنسان المعاصر، وفي خدمة الحاضر والمستقبل. فنحن لا يفترض بنا بإحياء ثورة الحسين أن نخدم الحسين، بل أن نجعل الحسين في خدمتنا. فالأصل هم نحن كبشر نعيش في هذا العصر، ونحن نستدعي من الحسين بإنتاجه وتضحياته ما نصلح به حالنا وواقعنا. وبالتالي نتخلى عن كل تفاصيل وممارسات لا تخدم الواقع. وفيما يلي بعض التصورات لإحياء المناسبة:

    - التنوير الديني والثقافي: تعد ليالي المحرم من الفرص المناسبة لتنفيذ برامج للتنوير الديني والثقافي، كالندوات والمحاضرات واللقاءات والمهرجانات الثقافية والفنية، بحيث يتم وضع الخطط وإعداد الفعاليات وتوزيعها على الأيام والليالي بالطريقة التي تضمن تحقيق أهداف متفق عليها مسبقا، وتمثل بعض تفاصيل حركة الحسين منطلقا رائعا للكثير من المبادئ الإنسانية التي تمثل جوهر الدين، ككلماته عن الحرية ومواقفه الحية التي تجسد العدالة والحق وقيم الوفاء والمساواة، كل هذه المثل صاحبت الثورة وتشكل مادة خصبة للتنوير الديني الإنساني

    - العمل التطوعي: العمل التطوعي يمثل أهم مظهر من مظاهر التفاعل مع مختلف القضايا ذات الصلة بخدمة الناس. وتمثل ذكرى عاشوراء مناسبة مهمة لإذكاء روح العمل التطوعي والعمل التعاوني الجماعي، ليس بالحث والخطاب وإنما بالممارسات العملية من خلال التخطيط وبناء فرق العمل وتكوين مشاريع الخدمة التطوعية التي تشمل مختلف قطاعات الخدمة العامة والصحة والتعليم والبيئة وذوي الاحتياجات الخاصة.

    - برامج التكافل الإنساني: التكافل الإنساني منطلق مهم لبناء المجتمع السوي. اليوم تعاني الكثير من المجتمعات من التمييز الطائفي والطبقي، وما أحوج هذه المجتمعات إلى إرادة جماعية لكسر حاجز الخوف الذي يمنع مختلف فئات وطوائف المجتمع من أن تندمج فيما بينها. ثورة الإمام الحسين مؤكد أنها مشبعة بهذه الروح، وبالتالي استحضارها لغرض إشاعة التآلف بين طبقات المجتمع سيؤدي إلى نتائج طيبة، لأن المثل العليا تذيب الحواجز النفسية في الإنسان. شريطة أن تتم عمليات الاستحضار لمواقف الحسين في أجواء عملية وليست نظرية، بمعنى أن لا تكون على مستوى محاضرات وكتابات، وإنما على شكل مشاريع اجتماعية يتم التخطيط والإعداد لها على مستوى وطني أو شبه وطني.

    - إصلاح ذات البين: من الحاجات الضرورية لمجتمعاتنا هو حل الخصومات وفك النزاعات وتقريب وجهات النظر، وتمثل عاشوراء مناسبة جد فاعلة لتعزيز هذه الحاجات، من خلال حصر الخصومات وإعداد اللقاءات والفعاليات لمعالجة وحل القطيعة بين الأقارب والجماعات.

    - المسابقات العلمية والإجتماعية: من الممكن أن تكون المسابقات العلمية والإجتماعية من الأدوات الراقية لإحياء الحسين كظاهرة إنسانية تتكرر باستمرار. فعبر طرح عناوين من قبيل: جائزة الحسين لأفضل مشروع بيئي. وسام الشهيد للخدمة الإجتماعية. الميدالية الحسينية لأفضل ابتكار علمي؛ يمكن أن نعطي هذه الحقول زخما ودفعا قويا بين الناس. إن ربط الحسين بأجواء التنافس الجميل في حقول تعود بالنفع والخير من شأنه إيجاد فرص لإشراك أكبر قدر من الناس في مسابقات قد لا تستهوي الكثيرين في الظروف العادية.

    - سجناء الرأي: كم سيكون جميلا لو استطعنا أن نقدم يوم العاشر من المحرم كيوم عالمي لسجناء الرأي، بحيث يتم الضغط خلال هذا اليوم على الحكومات عبر وسائل الضغط المختلفة لإطلاق وتحرير هؤلاء السجناء حول العالم، فحرمان المجتمعات من عطائهم يمثل خسارة كبيرة. والحسين نموذج رائع جدا للدفع بقوة نحو تحصيل الحقوق الإنسانية وانتزاعها وبالتالي تحرير المظلومين في السجون، وفي نفس الوقت نقدم الحسين كمنتج إنساني للعالم لا بحصره في زاوية شيعية ضيقة.

    - مناهضة التعذيب: هناك الكثير من الجمعيات والمنظمات الدولية والغير دولية التي تحارب التعذيب، وفي نفس الوقت الكثير من الأنظمة تمارس ذلك بحق مواطنيها. لماذا لا يكون أيام عاشوراء هي أيام عالمية لمناهضة التعذيب، بحيث تكون هناك البرامج والفعاليات والاعتصامات السلمية في مختلف المواقع والأمكنة خلال أيام الحسين العشرة (العشرة الأولى من شهر محرم من كل سنة). سنقدم الحسين بذلك بوصفه ملهما للقضايا الإنسانية الكبرى.

    - التوعية ضد الإرهاب والتشدد والتعصب: أصبح الإرهاب واحد من أكثر أمراض العصر تهديدا للحياة والسلم الإجتماعي والاستقرار النسبي للأوطان. فالإرهاب الناتج من التشدد والتعصب يثير اليوم الكثير من الدعوات والمؤتمرات والدراسات والبحوث والمنظمات المتخصصة لإيجاد حلول لمثل هذه الظاهرة القديمة الحديثة. لا شك أن الحسين كان ضحية من ضحايا هذا الإرهاب الذي كان يمارسه الحاكم الأموي ونائبه في العراق. وباعتبار الحسين أيقونة إنسانية فإن قضيته من الممكن أن تمثل دفعا قويا بتجاه إجراء دراسات عليها للتعرف كيف يمكن استغلالها لمعالجة ظاهرة الإرهاب الدولي والإقليمي. فالحس الإنساني في ثورة الحسين قد ينتج أدوات وآليات كثيرة تنفع واقعنا المشبع بثقافة الطرد والإقصاء والترهيب الفكري والإجتماعي.

    - التوعية بحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل: كان للإنسان حضورا كبيرا في ثورة الحسين، وبعض التفاصيل الصحيحة التي وصلت إلينا من الحادثة تشكل مادة خام لإعداد برامج وفعاليات تتناسب مع ما توصل إليه الإنسان اليوم من رقي في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل. هذا الدفع يجب أن يكون بالشكل الذي يحقق ما لم تستطع وسائل الإعلام الحديثة أن تحققه في مجال توعية الناس بحقوقهم. وذلك بتعميم حقوق الإنسان على الجميع ونشر ثقافتها بطريقة واعية. بحيث يمارسها الجميع كما مارسها الحسين وأهل بيته وصحبه في هذه الحادثة المتجددة.

    في الحقيقة نستطيع أن نستخرج الكثير من الفعاليات من حركة الحسين ما ينفعنا ويفيد عالمنا. كم سيكون جميلا لو كانت هناك فعاليات بهذا المستوى في أيام عاشوراء، فبدلا من التقليد الحالي القائم على تخصيص كل ليلة أو يوم لعنوان معين كليلة الأنصار وليلة مسلم وليلة العباس وليلة القاسم وغيرها؛ يصبح لدينا يوما لسجناء الرأي ويوما لحقوق الإنسان ويوما لإصلاح الخصومات ويوما للشباب ويوما لحرية الفكر ويوما لمناهضة التعصب وهكذا. لنتخيل خمسة عشر ليلة (أو أكثر) من هذه الفعاليات في شهر محرم من كل عام، كم سيكون ذلك أنفع للناس من الطقوس التي نشاهدها حاليا ولا تزيد إلا من القوقعة التي تحصر الحسين وقضيته، كنا سنقضي على تصور عام لدى بقية المسلمين بأن الحسين في وادي والشيعة في واد آخر.


    محمد عبدالله العجمي
    هذه المقالة نشرت أصلا في موضوع المنتدى : كيف نحيي ثورة الحسين؟ كتبت بواسطة أبو محمود مشاهدة المشاركة الأصلية