Warning: Declaration of vBCms_Item_Content::setItemId() should be compatible with that of vB_Model::setItemId() in ..../packages/vbcms/item/content.php on line 26
وجهات - جون .. الرمز الأسود في كربلاء
  • جون .. الرمز الأسود في كربلاء



    معركة كربلاء الحسين كسواها من المعارك ، تجد فيها تنوعا في انتماءات وقبائل الضحايا ، فالقتلى من معسكر الحسين بن علي – إضافة إلى آل هاشم – فيهم من بني أسد والأزد وخولان وغفار وتميم وهمدان وكندة وطي وتغلب وخثعم وغيرها من القبائل والبطون ، كما أن تلك المعركة شهدت سقوط عدد من القتلى من الموالي .



    والولاء هنا هي المنطقة الوسطى بين الرق والحرية ، فالولاء أشبه بالارتباط الاجتماعي والعاطفي بين المولى ومن اعتقه مع وجود عدة التزامات تقيد إرادة المولى ولا تعطيه الحقوق الكاملة للحر ، وقد اتسع هذا المصطلح لاحقا لأصبح يدل على كل من يدخل الإسلام من غير العرب .


    أما عن مشاركة الموالي في معركة كربلاء فعدد القتلى منهم لا يتجاوز خمسة عشر كأقصى تقدير ، وهذا العدد لا بأس به إذ كان معسكر الحسين عدده يقارب المئة . وهؤلاء لم تكن مشاركتهم في القتال نتيجة دعوة تحررية بثها الحسين بن علي لتخليصهم من رق العبودية بالكامل ، أو كصرخة على سوء معاملتهم وعدم إنصافهم – كدعوة صاحب الزنج – فقبل عام 61 للهجرة لا نجد حراكا مطلبيا واضحا من هذه الفئة الاجتماعية للمطالبة بحقوقها ، فكأنها كانت راضية بحالها مع شعورها بشيء من التقدير الذي تريده أو أن الجو لم يكن متهيأ لدخول الصراع في غياب القائد والدعوة ، ولأن الصراع في ذلك الوقت لا يزال مشتعلا بين الصحابة ولاحقا بين أبناء الصحابة .


    ولم يحاول الحسين الاستعانة بهم في صنع جيش يقاتل به الجيش الأموي – كما فعل المختار الثقفي – فلم يكن الحسين راغبا في مواجهة عسكرية حاسمة كرغبته في الحصول على تأييد شعبي للنسب الذي يتمتع به والذي راهن عليه لاحقا .


    فكانت مشاركتهم في المعركة انتصارا لسيدهم ولذلك العقد الذي لا يزال مرتبطا بهم معه ، ولشعورهم بعدالة قضية الحسين لتواجدهم بسبب خدمتهم في ذلك الموقف ، وإن كان ثمة بعض الموالي تجنب القتل والقتال في عاشوراء لأنه فقط من الموالي ولا تعينه العمليات الكبرى التي قد تغير في كثير من الأحداث اللاحقة .


    ولعل أشهر مولى في معركة كربلاء هو مولى أبي ذر واسمه جون ( أو حوي أو جوين ) ، وربما كان قتل جون في كربلاء كغيره من الموالي سيمر سريعا – في ليالي عاشوراء – مع بعض التعليق – كما هو الحال مع شوذب – أو بدون ذكر كالموالي اسلم ومنجح وسواهم ، ولكن بفضل ( سيناريو ) ابن نما الحلي في مثير الأحزان والذي نقله عنه – كما يبدو - ابن طاووس في اللهوف والذي يصور الحديث الذي دار بين الحسين وجون قبل خروجه للقتال ، قدر لجون أن يكون الرمز الأسود في كربلاء .


    ففي ذلك الحوار – والذي عادة ما يعاد ذكره في محاضرات عاشوراء – يستأذن ( جون ) للقتال ويرفض الحسين طلبه لأنه من الموالي وقد جاء معهم لطلب العافية ، فيرد جون : بأنه ليس من المروءة أن يلحس قصاعهم في الرخاء ويخذلهم في الشدة ، ومع لونه الأسود ونتانة ريحه ولون دمه الأسود كذلك سيغامر في هذه المعركة ليتغير حاله إلى خلاف تلك الأوصاف ، لماذا يا ترى وصف ( جون ) نفسه بتلك الصورة – السيئة - ؟ وهل بالفعل دار ذلك الحديث بينه وبين الحسين بن علي ؟


    أترككم مع هذين الاحتمالين التاليين ، في الاحتمال الأول يعرض جون الأسباب التي دفعته لقول ما قاله سابقا ، وفي الاحتمال الثاني يرفض جون أن تنسب إليه تلك الأقوال .. ولكم تصور أي احتمال تستحسنوه ..

    الاحتمال الأول :


    الدين الإسلامي كمعظم الشرائع لم يحارب الرق ، ولقد انتشر الرق والجواري والسراري بصورة لافتة في المجتمع الإسلامي بعد الفتوحات الإسلامية وأصبح ذلك مظهرا من مظاهر الترف والامتيازات التي نالها الجيل الأول من أتباع الدين الإسلامي .


    ومع التعاليم الإسلامية المشددة على ضرورة احترام ملك اليمين إلا أن شعور المولى في ارتباطه بسيده وخضوعه له كانت غالبة على أي محاولة لتقليل أثرها النفسي ، فوجدان الإنسان منسجم مع الحرية الكاملة ، وأن تلك القيود والتي جاءت بسبب الأسر أو الشراء أو غيرها كانت حملا ثقيلا على روح المولى مما تولد لديه شعور خفي بأن علاقته بسيده ليست كأسنان المشط وأن الفروقات الطبقية هي ذاتها منذ الجاهلية ، وأصبح ذلك الإحساس لازمة في داخله وإن لم يقم بأي تحرك – كما حدث لاحقا – يخلصه من ذلك الجور . وقد يزداد ذلك الشعور إذا كان المولى ( لونه أسود ) مما يضيف عبئا جديدا على نفسيته فهو في ذلك المجتمع من الدرجة الوضيعة ، فليس من الصرحاء وليس مواليا أحمرا ( أو أبيضا ) ولكنه أسود ، وكذلك جون ، ولم يولد الجاحظ في ذلك الوقت ليقرأ جون كتابه في تفضيل السودان على البيضان لتستقر نوازع روحه قليلا إذا فاته أن يتربى على حقوق الإنسان في القرن الأول للهجرة وفي بيوت من كانوا أقرب الناس إلى رسول الإسلام ، تلك الرواسب كلها خرجت من العقل الباطن وأطلقها جون صراحة في كربلاء ، فهو ذو اللون الأسود ، والحسب اللئيم ، والريح النتنة ، والدم الأسود ، فكأن جون يعبر عن الآم بني جنسه أو يصدر هذه المواصفات عليهم ، وربما لتلك الأسباب سمح الحسين بن علي لجون في الخروج إلى القتال حين عازت جون الأسباب المنطقية في تلك اللحظات القاتلة . فتخيلوا أن ذلك المولى قتل حتى يصبح في الآخرة ذو لون أبيض وحسب كريم ورائحة عطرة .


    وعلى حسب ما ينقله محمد بن أبي طالب في تسلية المجالس ونزهة المجالس ، فإنه تحقق لجون حلم الرائحة فأصبح يفوح من جسمه رائحة المسك حتى بعد مرور عشرة أيام من قتله ، أما بقية أحلامه والتي قتل من أجلها فتنتظر أجلها حتى تتحقق .


    الاحتمال الثاني :

    لم يشعر جون بالعار من لونه ، ولم يشتم في سره أباه وأمه لأنهما أسودان ، ولم يلق لوما على القائل : " في أي صورة ما شاء ركبك " ، كان راضيا بلونه مفتخرا بما يقدمه للحياة ، لم يسر على نهج بلال لأنه أقدم الرجال السود إسلاما ، ولكن كانت روحه بفطرتها تهديه إلى احترام ذاته ابتداء وليس اقتداء ، وأما الحسين بن علي فسار على نهج جده رسول الله فراعى مشاعر من ملكته يمينه وحد من رغبات النفس في العصبية والتملك وشهواتهما .

    ولم يكن جون حين يمر على الآية " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " يشعر بالخزي لأن لونه أسود ، فهو يرى كذلك أن من حوله ليسوا ( بيضا ) وما أشد الفرق بين البياض والسمرة لذي عينين ، ففهم الآية – كما فهمها من حوله ومن نزل القرآن فيهم وبينهم – فذلك البياض والسواد مجازا وليس دليلا على الرفعة والاستعلاء ، وذلك البياض جاء به الرسول ليخاطب به قومه وأمته للوصول إلى أمنيتهم في الحصول على البياض والذي يعني الأمن و الصفاء ، مع أنه هناك أمم أخرى لا ترى اللون الأبيض إلا رمزا للحزن .


    جون الشيخ الكبير والذي انتقل من بيت الثائر ( أبو ذر الغفاري ) إلى بيت الحسين لم يدر في خلده تكرار ما قد يقوله الأخر السئ ويصدقه من وضاعة لونه ولؤم أصله ونتانة ريحه ، فكان يدرك أن قيمة الإنسان بما يعطي للحياة ، وأنه ليس على باب الجنة لافتة مكتوب عليها " للأبيض فقط " كما كان الحال في بعض مناطق الدنيا قبل أن يثار على تلك الحقبة السيئة ، فجون لديه الرغبة في أن يدخل الجنة بلونه الأسود حيث لا غل ولا طبقية هناك ، ومتساوون أمام إلههم العادل الذي في عليائه لا يرى فضلا في لون على لون .


    وكان جون مدركا أنه لمن السخافة أن يقاتل لأن لديه رغبة في إجراء عملية تجميلية لتغيير لونه أو بحثا عن حمام ليغسل جسده ويعطر أنفاسه أو ليتحقق مخبريا أنه ليس ثمة دم أسود أو دم بلون أخر . وحين قاتل جون قاتل انتصارا للحقيقة ومؤمنا بمبدأ الحسين ، فكان ناصرا واعيا ، وكان يحدث نفسه عن مصير الإسلام وواجبه الشرعي ، فلم يرفع سيفه انتقاما لحقوق السود أو هروبا منهم ، وهذا ما لم يدركه – وللأسف – ابن نما الحلي – أو سواه – حين وضع ذلك القول على لسان جون ، وبالمقابل فإن الحسين كان أكبر من أن يوصف بالعنصرية ليسمع ذلك العتب من جون ، فلم ينظر الحسين يوما إلى جون إلا باعتباره إنسانا كغيره ولا يميزهم غير تقواهم مثلما حدد القرآن ذلك المعيار .



    وبين الاحتمال الأول والثاني سيظل السؤال قائما هل صدر ذلك الحوار بالفعل أم أنه من إضافات القصاصين ، وللوصول إلى قناعة مرضية حول هذا الموضوع لا بد من دراسة تاريخية لبيان أحوال جون في كتب السيرة المختلفة .


    دراسة مختصرة حول جون ..



    يميل أكثر الدارسين لمعركة كربلاء على الأخذ برواية أبي مخنف كمعيار يقاس بها مختلف الروايات الواردة ، ولأن كتاب أبو مخنف ضاع وليس له أثر إلا ما ينقله الطبري ( ت 330 هـ ) في تاريخه فلهذا يعد تاريخ الطبري من كتب السيرة المهمة التي تسرد أحداث كربلاء وتجد قبولا لا بأس به .


    وفي تاريخ الطبري فإن مولى أبي ذر يسمى ( حوي ) وكان يعالج سيف الحسين حين أنشد الحسين الأبيات : يا دهر أف لك من خليل .. كم لك بالإشراق والأصيل .. من صاحب أو طالب قتيل .. والدهر لا يقنع بالبديل .. وإنما الأمر إلى الجليل .. وكل حي سالك السبيل ، وكان معهما في الخباء علي بن الحسين - والذي ينقل عنه هذا الخبر - وزينب بنت علي ، ولم يشر الطبري إلى لون ( حوي ) ولم ينص على مقتله .


    أما في مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصفهاني ( ت 356 هـ ) فإن أسم مولى أبي ذر ( جون ) ، وينقل الأصفهاني نفس رواية الطبري تقريبا إلا أن الحسين هو الذي كان يصلح سهاما له ولم يذكر سببا لتواجد جون ، كما أنه لم يشر إلى لونه ولم يذكر خبر مقتله إذا كان بالفعل شارك في القتال .


    وفي الإرشاد للمفيد ( ت 413 هـ ) فذلك المولى اسمه ( جوين ) ولا يزيد شيئا على ما ذكره الطبري في تاريخه قد يشير إلى لون أو مقتل جوين ، ومثله الطبرسي ( ت 548 هـ ) في إعلام الورى بأعلام الهدى .


    ونجد أن الفتال النيسابوري ( ت 508 هـ ) في روضة الواعظين لم يحدد اسم مولى أبي ذر وعبر عنه ( بـ فلان ) ، وأيضا لم يشر إطلاقا إلى لونه أو مقتله .


    إذن فإن مولى أبي ذر لا يذكر إلا في رواية واحدة تنقل عن علي بن الحسين على أنه كان حاضرا حين قال الحسين بن علي الأبيات التي ينعى فيها نفسه ، وتعد تلك المصادر من أهم مصادر واقعة كربلاء ، حتى أن تواجد مولى أبي ذر في الخباء عند اعتزال الحسين في العشية السابقة لعاشوراء لم يذكرها اليعقوبي ( ت 290 هـ ) في تاريخه وكذلك ابن أعثم الكوفي ( ت 314 هـ ) في الفتوح ولا ابن شهر آشوب ( ت 588 هـ ) في مناقب آل أبي طالب ، ولا ابن طاووس ( ت 664 هـ ) في اللهوف في قتلى الطفوف ، ولا ابن نما الحلي ( ت 645 هـ ) في مثير الأحزان ، ولا ابن الدمشقي ( ت 871 هـ ) في جواهر المطالب في مناقب الإمام علي ، ولا الصالحي الدمشقي ( ت 942 هـ ) في سبل الهدى والرشاد .


    إلا أن من بين تلك المصادر – التي لا تذكر أن مولى أبي ذر كان حاضرا حين قال الحسين الأبيات التي نعى فيها نفسه - أربعة كتب تشير إلى مقتل مولى أبي ذر في كربلاء وهي : الفتوح لابن اعثم الكوفي ويذكر أن اسمه حوي مولى أبي ذر ويذكر أنه كان أسودا وخرج للقتال بعد حبيب بن مظاهر و كان يرتجز : " كيف ترى الفجار ضرب الأسود .. بالمشرفي القاطع المهند .. بالسيف صلنا عن النبي محمد .. أذب عنه باللسان واليد .. أرجو بذاك الفوز يوم المورد .. من الإله الواحد الموحد .. إذ لا شفيع عنده كأحمد " ولا يذكر شيئا عن استئذان جون قبل الخروج ، وفي مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب فإن مولى أبي ذر اسمه جوين بن أبي مالك ، وبرز بعد عمرو بن مطاع الجعفي ، وكان يرتجز : " كيف يرى الفجار ضرب الأسود .. بالمشرفي القاطع المهند .. بالسيف صلتا عن بني محمد .. أذب عنهم باللسان واليد " ويذكر أنه قتل خمسا وعشرين رجلا ، ولم يشر ابن شهر آشوب إلى استئذان جون للحسين قبل خروجه للقتال ، مع الانتباه لما ذكره محسن الأمين في أعيان الشيعة من أن ابن شهر آشوب وقع في الخطأ والالتباس حين عد جوين بن أبي مالك مولى لأبي ذر مع أنه في رجال الطوسي رجل بهذا الاسم ولا يعد مولى لأبي ذر .


    أما الكتاب الثالث فهو مثير الأحزان لابن نما الحلي والكتاب الرابع اللهوف في قتلى الطفوف لابن طاووس ، وسنتحدث حول روايتهما لاحقا .


    أما الخوارزمي ( ت 568 هـ ) في مقتله فهو الذي يشير إلى الأمرين معا وهما : تواجد جون مولى أبي ذر في خيمة الحسين حين كان الحسين يصلح سيفه ويردد أبيات الشعر وخروجه بعد ذلك للقتال ، وقد برز بعد حبيب بن مظاهر وكان يرتجز : " كيف يرى الفجار ضرب الأسود .. بالمشرفي القاطع المهند .. أحمي الخيار من بني محمد .. أذب عنهم باللسان واليد .. أرجو بذلك الفوز عند المورد .. من الإله الواحد الموحد " ، ولكنه لم يشر إلى الحوار مع الحسين الذي يذكره بعد ذلك ابن نما في مثير الأحزان حين أراد جون الخروج للقتال ، والخوارزمي يذكر خبر مقتل جون عن كتاب الفتوح لابن اعثم الكوفي حيث أنه يروي معظم أخبار المقتل من مقتل ابن اعثم ، ليكون السؤال ما مصدر ابن اعثم في ذلك ولماذا غفل عن حديث قتل جون ( حوي ) في معظم مصادر مقتل الحسين ؟ لا يعرف الكثير عن حياة ابن اعثم الكوفي ،ولعل أهم ما وصل عنه هو قول ياقوت الحموي : " من أنه كان شيعيا ، وعند أصحاب الحديث ضعيف ، وله نظم " ، مع أن كثير من محققي الشيعة لا يعدونه شيعيا اعتمادا على بعض الأخبار التي يوردها في كتابه الفتوح والتي لا تتفق مع الأخبار والروايات والآراء الشيعية .


    ولعل حوي في الفتوح أو جون في مقتل الخوارزمي هو تصحيف ل جوين بن أبي مالك والذي عده خطأ ابن شهر آشوب مولى لأبي ذر ، أما عن الزجز الذي يذكره ابن اعثم في فتوحه وينقل بعد ذلك عنه فلعله أيضا من تأليف ابن اعثم حيث كان ينظم الشعر .


    أما عن الكتابين الأخرين وهما : مثير الأحزان لابن نما الحلي واللهوف في قتلى الطفوف لابن طاووس فينفردان بذكر قصة استئذان جون قبل خروجه للقتال ، وهي في مثير الأحزان كالتالي : " ثم تقدم جون مولى أبي ذر وكان عبدا اسودا فقال له ( ع ) أنت في اذن منى فإنما تبعتنا للعافية فلا تبتل بطريقنا فقال يا بن رسول انا في الرخاء الحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم والله ان ريحي لمنتن وحسبي للئيم ولوني لأسود فتنفس علي بالجنة فيطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيض وجهي لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم ثم قاتل حتى قتل " ، وأما في اللهوف لابن طاووس : " ثم برز جون مولى أبي ذر وكان عبدا أسود فقال له الحسين عليه السلام أنت في إذن منى فإنما تبعتنا طلبا للعافية فلا تبتل بطريقنا ، فقال : يا بن رسول الله أنا في الرخاء الحسن قصاعكم وفى الشدة أخذلكم والله إن ريحي لنتن وإن حسبي للئيم ولوني لأسود فتنفس على بالجنة فتطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيض وجهي ، لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم ثم قاتل رضوان الله عليه حتى قتل " ، أما عن أي الكتابين ألف أولا ، فمن المعروف أن ابن طاووس وهو رضي الدين علي بن موسى وولد في عام 589 للهجرة وكانت وفاته عام 664 للهجرة هو مؤلف ( اللهوف في قتلى الطفوف ) ، ولكن الاختلاف في تحديد نسبة كتاب مثير الأحزان هل هو لحفيد نجم الدين الحلي أم له شخصيا ؟ والقول الأرجح أن مثير الأحزان لنجم الدين جعفر بن محمد بن جعفر بن هبة الله ( كما يقول صاحب الذريعة ) المولود عام 567 للهجرة ( ت 645 هـ ) وليس لحفيده ولكن نجد أن البعض يؤخر تاريخ وفاته إلى ( عام 676 هـ وعام 680 هـ ) ( راجع مقدمة ذوب النضار تحقيق فارس حسون كريم ) ، ولهذا نرجح أن كتاب مثير الأحزان قد سبق كتاب اللهوف وابن طاووس أخذ رواية الاستئذان من مثير الأحزان ، وهذا الرأي لا يعني استحسانا لكتاب اللهوف في قتلى الطفوف والذي يروي ابن طاووس في كثير من مواضعه عن المجاهيل ، ولكن حكاية الاستئذان فمن الواضح أنها من تأليفات القرن السابع للهجرة وليس لها ذكر قبل ذلك والحسين بن علي استشهد عام ( 61 هـ ) إي في القرن الأول للهجرة .ولم تقف حكاية الاستئذان عند ما نقله ابن نما وابن طاووس ، ليأتي مؤلف أخر في القرن العاشر للهجرة ليضيف عليها ما قد يجعلها حكاية صحيحة وذلك المؤلف هو محمد بن أبي طالب صاحب كتاب تسلية المجالس ونزهة المجالس حيث يذكر أنه بعد مقتل جون يقف الحسين على مصرعه ويقول : " اللهم بيض وجهه وطيب ريحه واحشره مع الأبرار وعرف بينه وبين محمد وآل محمد " وبعد مقتل الحسين يروي عن الباقر قوله : " إن الناس كانوا يحضرون المعركة ويدفنون القتلى فوجدوا جونا بعد عشرة أيام تفوح منه رائحة المسك " ، لتستمر عملية التحريف لواقعة كربلاء .



    فماذا نصدق ..؟


    ملاحظة لا بد منها :

    " ورد اسم جون مولى أبي ذر من ضمن أسماء الشهداء في الزيارة التي تعرف بزيارة الناحية والزيارة الرجبية ، ولم استخدم تلك الزيارتين كدليلين لعدة أسباب منها : لا أبحث في هذا الموضوع عن احتمال مشاركة جون في القتال من عدمه بقدر ما كنت ابحث عن حكاية الاستئذان ،ولاني ايضا أعد موضوعا منفصلا يناقش حال تلك الزيارتين "
    هذه المقالة نشرت أصلا في موضوع المنتدى : جون .. الرمز الأسود في كربلاء كتبت بواسطة إسحاق العجمي مشاهدة المشاركة الأصلية