• أفلا يعقلون



    السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين عظّم الله أجوركم بمصاب أبطال كربلاء أبطال العزة والإباء أبطال العلم والعمل أبطال الحق والعدل ...عليهم سلام الله ما بقيت وبقي الليل والنهار...


    لقد تبرع الإمام الحسين ع مختارا وعن طيب خاطر بنفسه وأسرته وثلة من أصحابه الصالحين ليفجر مجموعة من المبادئ الإسلامية ويشعل جذوتها التي وصلت في عصره إلى درجة التفحم ... حاملا شعار "الإصلاح" في أمة جده (ص) ... وقد عملت السيدة زينب و الأئمة ع من بعده.. على التعريف بذلك الإصلاح ... وحملوا شيعتهم على تفعيل ذلك الهدف من خلال التوظيف الأمثل لتلك المبادئ ... كما ورد عن أبي عبدالله الصادق ع أنه قال للفضيل: تجلسون وتتحدثون ؟ فقال: نعم. فقال: «إن تلك المجالس أحبّها، فأحيوا أمرنا، فرحم الله من أحيا أمرنا». وسائل الشيعة ... وقد لا يخفى بأن هذا الأمر قد وصل إلى هذا الشكل والنمط الذي أصبح مألوفا يمارسه الشيعة في جلّ المواقع الشيعية على وجه الأرض ... والذي يفترض أن يصل إلى درجة متقدمة من الوثاقة والصدق ... خصوصا فيما يتعلق بجانبي الأمانة والموضوعية ...

    فالأمانة: فيما تشغله هذه الحادثة من مادة تاريخية ... والموضوعية: بلحاظ درجة الارتباط بين الإصلاح والواقع ...هذا الواقع الذي يستقي ويتشرب من تلك المبادئ الإصلاحية...مقومات القوة والثبات...

    ومن البداهة أن يدرك معظم الجمهور الحسيني عالمية مبادئ الإصلاح التي تمثلها ونادى بها الإمام الحسين عليه السلام خصوصا في مسيرة كربلاء ... كما يتضح جليا في مواقفه الأخيرة حين أعيته حالة التبلد التي تأصلت في قومه ... حيث قام فيهم خطيبا ليفتح أمامهم آخر نوافذ الخير إلى تلك القلوب القاسية .. قائلا لهم كونوا أحرارا في دنياكم ...وذلك بتأمل ما للحرية من خصائص وعناصر فاعلة في إنارة الجهة المعتمة من حياة الفرد...

    وبتأمل البيان النبوي القائل بأن الإمام الحسين ع مصباح الهدى وسفينة النجاة ... هذه السفينة التي أصر خطيب منبرنا على تحطيم كل أشرعتها ... فأخرجه عليه السلام من المحيط الإنساني ... وجرده من البحار الإسلامية ليحاصره في بحيرة تمثل صنف معين من التشيع هوى يراه أنه شعب الله المختار ... وليذهب البقية إلى الجحيم ...

    فهل توجد إساءة للحسين ع أعظم من أن نحاصر طموحة ونوطن أهدافه لفئة معينة ومجموعة محددة قد لا يعي الخطيب مدى توافقها واختلافها مع الجمهور الذي يخاطبه ... ثم يدلل على مواقف الحسين ع الإصلاحية بمجموعة من الأقاصيص والأساطير التي لا تتناسب وذوق الإنسان العادي... فكيف ترقى لذوق ومستوى أحد تلامذة الإمام الحسين ع كالسيد بحر العلوم !... وإذا كانت أخلاق الإنسان العادي لا تسمح له بالتنصل عن الحوار والمباحثة مع أحد طلابه بالتعيير وبعض المصطلحات السوقية التي لا تتناسب و مقام الإصلاح الذي طرحه الحسين ع كمشروع لنهضته المباركة... فكيف بالسيد بحر العلوم كما أشار الشيخ في أسطورته الخارقه... ولكن ما يهون ذلك هو تسرب الأساطير إلى أحداث كربلاء بالنفس كما هو الحال في قضية زفاف القاسم ع وتعرفه على زوجته من خلال قميصه الممزق في يوم القيامة ... والتي تذكّر بما يجري في الأفلام الهندية ... هذا فضلا عن أن المرأة قد تكون متزوجة... ولكن ما يؤسف له حالة التفاعل مع هذا الافتراء من قبل الجمهور... والبكاء والعويل لحدث سبق وأن نوه له خطيب الجمعة بأنه محض افتراء ... ومعظم التفاعل مع هذا الحدث المزور كان من قبل تلامذة منبر الجمعة ...

    فهل كربلاء منبر الجمعة تختلف في أحداثها عن أحداث منبر الحسين ع؟ وهل الحدث الذي يثير التقزز في طرح منبر الجمعة ويوجب البراءة منه ... يصبح نفس الحدث مبكي ومدر للدموع في منبر الحسين ع؟ وهل أحداث كربلاء تختلف في تفاصيلها من موقع إلى آخر؟... وهل يقبل الحسين ع الذي يفترض أن يجزل في العطاء على إحياء ذكراه أن تستدر الدموع بالافتراء والكذب في صرح رسمه عليه السلام بدمه ليكون محطة لإعادة الأمور إلى مجراها الصحيح بما تتمتع به من صدق وأمانه؟... لا بما يدمر مصداقية الحدث ... فالإصلاح الذي نادى به الإمام الحسين عليه السلام ليس مجرد كذبه يضحك بها المتمصلحون مقابل جزاء مادي بل هو هدف في حد ذاته يجب أن يتحرك الجميع باتجاهه... فالمستمع له دور كالخطيب تماما يجب أن يتدخل وبقوة لإيقاف كل حالات التزوير والكذب والافتراء ... فمعنى يا ليتنا كنا معكم ليست بالضرورة أن تكون زماكانية ولكن ممكن أن تكون هدفية بما تحمل من عمق موضوعي وبعدُ واقعي ... فلا يطاع الله من حيث يعصى ...

    وحين صدع الحسين ع قائلا ومثلي لا يبايع مثله ... فهل يا ترى عندما ينفعل الخطيب أو يقرأ بعض الأحداث المزورة بلا تمحيص ولا رقابة واعية ... ويغذي الجمهور بما أطلع عليه في بعض الأوراق من كذب وافتراء ... والمساكين سلّموا له عقولهم وقلوبهم ضننا منهم أنه أمين في ما ينقل لهم ... أمينٌ على دموعهم وصرختهم ...فهل مثل هذا مثل الحسين ع أم مثل من؟ ، هنا يجب أن نتوقف! ... ونعي خطر هذا التوجه وانعكاسه السلبي على نهضة الحسين ع

    يقول الشهيد مطهري "التقليد الذي أمر به الإسلام ...هو تقليد يفتح العيون ويبقيها مفتوحة . إن التقليد الذي يتخذ شكل التسليم يورث آلاف المفاسد" بينما نجد بأن خطيبنا وقد قلدناه قلوبنا وعقولنا لماذا؟ لأنه ينطق باسم الحسين ع ... لم يفوّت محاضرة إلا ويركز على ظاهرة الاستماع السلبي الذي يكون فيه الشخص خاضعا لما يقال بلا تحليل ولا مناقشه لماذا؟ لان المستمع لم يصل إلى درجة الإجتهاد فيتمكن من معرفة الحسن من القبيح ويصبح عارفا على حد زعمه... فهو لم يحصل على (طشه) بل على (تشه) وهي أقل بكثير من (الطشة) على حد تعبيره .

    ولكن إذا كان هذا التصور الذي أستحوذ على الخطيب عن نفسه وعن الجمهور الذي يخاطبه فما مقدار ما سيستفيد الجمهور من عطائه ... فالخطيب الذي هو ضعيف في نفسه هل يرتجى منه أن يشحن ويعبئ جمهوره ليكونوا بعد محرم أكثر قربا من الله تعالى ...أو أكثر مصداقية مع النبي وأهل بيته ع وبالتالي يتحقق ولو جزء يسير (تشه) من الجانب الموضوعي لهدف الحسين ع من نهضته الصادقة مع نفسها ومع غيرها ... المستغنية في ذاتها عن كل أشكال الكذب والافتراء بما تحمل من عناصر وبما تحتوي من خصائص ملهمة يتصابى أمامها الأعداء فكيف بمن يتنسبون إلى جانب الولاء ... وباستبعاد كل أنواع المورفين وما يستخدمه بعض الخطباء لتخدير الجمهور من غازات وقنابل مسيلّة للدموع... فإن الجانب العاطفي الخالي من التزوير والمبالغات... كفيلٌ بإيقاد الجانب العاطفي لا لنفسه فحسب بل أيضا لاحتضان مبادئ الإصلاح ... والتي أتسمت أحداثها بالصلابة والصدق والأمانة فلم تحظى حادثة كما حظيت نهضة كربلاء من الوثاقة .. فالسيدة زينب والإمام زين العابدين ع كانا على درجة عاليه من التأهب والوعي لبث الجانب الواقعي للنهضة المباركة...

    والجانب الإعلامي في القنوات الشيعية ليس أحسن حظا من ما يجري في جل الأوساط الشيعية من تحريف للجهد الحسيني.. فالخطيب محمد جمعه في قناة الأنوار .. ينقل هذه الرواية
    عن هشام بن الحكم : أنّ رجلاً من الجبل أتى أبا عبد الله ( عليه السلام ) ، ومعه عشرة آلاف درهم ، وقال : اشتر لي بها داراً أنزلها إذا قدمت وعيالي معي ، ثمّ مضى إلى مكّة ، فلمّا حج وانصرف أنزله الصادق ( عليه السلام ) في داره ، وقال له : ( اشتريت لك داراً في الفردوس الأعلى ، حدّها الأوّل إلى دار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، والثاني إلى علي ( عليه السلام ) ، والثالث إلى الحسن ( عليه السلام ) ، والرابع إلى الحسين ( عليه السلام ) ، وكتبت لك هذا الصك به ).
    فقال الرجل لما سمع ذلك : رضيت ، ففرّق الصادق ( عليه السلام ) تلك الدراهم على أولاد الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ، وانصرف الرجل ، فلمّا وصل إلى المنزل اعتل علّة الموت ، فلمّا حضرته الوفاة جمع أهل بيته وحلّفهم أن يجعلوا الصك معه في قبره ، ففعلوا ذلك ، فلمّا أصبح وغدوا إلى قبره ، وجدوا الصك على ظهر القبر ، وعلى ظهر الصك مكتوب : وفى لي ولي الله جعفر بن محمّد ( عليهما السلام ) بما وعدني.

    فلك أن تتأمل في هذه الرواية وتشخص وضع الإمام ع بعد أن تنظر أليها بعقلك الواعي...وخلاصة القول ... فإن قضية الحسين ع مسؤولية ذات بعدين ... يتعلق أحدها بأمانة الخطيب وإخلاصه في الارتقاء بمستوى الجمهور للارتشاف من معين المُثل الكربلائية ... والبعد الأكبر مرتبط بوعي الجماهير ويقضتهم لما يلقى على مسامعهم... وبه تتشكل أذهان أبنائهم ... فالحسين ع وفّر البيئة الصالحة فما على الجمهور إلا المحافظة على مكوناتها وعدم خيانة الحسين والخطيب بالتحفّظ في الوقوف بأوجه القصور والتقصير .. فنحن جنود الحسين ع وسفرائه فلا نتحول إلى عالة ومتطفلين نهدر أوقات وأموال عشاق الحسين ع ليخرجوا كما دخلوا أول مرة...

    والحمد لله رب العالمين...
    هذه المقالة نشرت أصلا في موضوع المنتدى : أفلا يعقلون كتبت بواسطة أبو جعفر مشاهدة المشاركة الأصلية