النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    admin الصورة الرمزية أبو محمود
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الدولة
    Muscat, Oman, Oman
    المشاركات
    6,586
    مقالات المدونة
    1

    افتراضي جعفر المظفر: المظلومية الشيعية.. ظلم للشيعة قبل أن تكون ظلما لغيرهم



    المظلومية عقدة نقص تمنع اندماج الأطراف ضمن عقد اجتماعي واحد، فهي صنو فكرة الاضطهاد والمؤامرة في تمزيق أوصال المجتمع إلى فئات وطوائف. والاستاذ جعفر المظفر يقدم تحليلا رائعا لعقدة المظلومية الشيعية بالمجتمع الشيعي العراقي وكيفية تجاوزها.




    ربما كان هناك العديد من الأسباب التي دفعت الشيعة لاتخاذ موقف منحاز للدولة العثمانية لكن الأشد تأثيرا كان نبع من الفقه الديني الذي تقاطع في تلك اللحظة مع ضرورات الفقه المدني الذي لم يكن الشيعة مهيئين بعد للدخول في دولته وفي عصره . مهما كانت الأسباب فإن النتيجة النهائية كانت أن فقهاء الشيعة هم الذين اتخذوا في لحظة الانحياز تلك قرارا باستمرار مظلوميتهم. وسيفسر ذلك بقضايا ذات علاقة بالمسألة الفقهية الدينية التي تحرم التعاون مع الأجنبي على حساب الحاكم المسلم.
    لكن على خلاف ذلك فإن السياسيين من السنة كانوا قد اتخذوا موقف التحالف مع قوات الحلفاء والالتحاق بثورة الشريف حسين بسبب ثلاثة عوامل, أولهما وقد سبق التطرق إليه والخاص بحقيقة أن السنة كانوا قد خبروا قيمة التناقض القومي بينهم وبين العثمانيين الأتراك لوجودهم داخل المؤسسة العثمانية ذاتها, حيث يمكن تعداد العشرات من أسماء السنة العراقيين الذين كانوا احتلوا مناصب في الجيش العثماني وكان العديد منهم قد التحق بثورة الشريف حسين وحضر برفقة الملك فيصل الأول إلى العراق. أما العامل الثاني فقد تؤكد عليه حقيقة أن السنة العراقيين بفعل تواجد قيادة الدولة العراقية, التي توشك أن تتأسس, في صفوف الأتراك كانوا أسرع التحاقا من الشيعة بفقه الدولة المدنية وأخف التزاما بفقه الدولة الدينية بسبب معاصرتهم لنقلة الأتراك ذاتهم إلى الدولة المدنية العلمانية ووجودها على مقربة أو كأعضاء في الجمعيات والأحزاب التي تشكلت لذلك الغرض, في حين أن أيا من رجالات الشيعة لم تسنح لهم تلك الفرصة فظلوا أشد التزاما بفقه الدولة الإسلاموية العثمانية وإن تضاربوا مع هذا الفقه على مستواه المذهبي.
    ويبقى السبب الثالث خاصا بتأثير الموروث السني السياسي, فعلى خلاف الشيعة كان متوقعا أن يكون السنة أكثر تأثرا بالتناقض القومي مع الأتراك من الشيعة, ولم يكن ذلك بفعل وجودهم على خط التماس مع الأتراك فحسب وإنما لأنهم كانوا يؤمنون بأنهم الأحق بالزعامة من العنصر التركي لعلاقتهم القيادية التاريخية مع الإمبراطوريتين العباسية والأموية, ولم يكن ذلك شعور الشيعة الذين طالما ظلوا على علاقات سلبية مع الدولتين الأموية والعباسية ولم يحدث أن عاشوا واقعية العلاقة هذه التي كثيرا ما كان لها دورا لدفع العرب السنة للإسراع بفض الاجتماع مع العثمانيين.

    في كل الأحوال لم تعد هناك قيمة حقيقية للبحث عما إذا كان سُنة الدولة العراقية المدنية الجديدة قد ورثوا أيضا كراهية مذهبية للشيعة أم لا, ففي عصر الدولة المدنية الجديدة لم يكن مقدرا للصراعات المذهبية أن تختفي سريعا وخاصة على مستوياتها الاجتماعية والفردية, لكن من المهم جدا التوقف أمام حقيقة هامة جدا وهي أن الدولة المدنية كانت بحد ذاتها, سياسيا ودستوريا وقانونيا, نقلة من عصر كان يقوم على إقترابات وقراءات مذهبية يمكن أن يتأسس عليها مفهوم المظلومية إلى عصر ألغى تلك الإقترابات التي ألغت بدورها إمكانات القراءات المذهبية التي تبيح لمفهوم المظلومية أن يتأسس بالمعنى أو بالمستوى الذي كان تأسس عليه في دولة الفقه الديني المذهبي السابقة, أي الدولة العثمانية, أو الدول التي قبلها.

    ومن الأكيد أن الطائفية, (يمكن) إلغاءها بدستور أو قانون على مستوى الدولة وعلى مستوي تعريف معنى المواطنة في الدولة المدنية, لكن (لا يمكن) إلغاءها على المستوى الاجتماعي والشخصي بنفس الصيغ. بل أن تأسيس ذلك كان يتطلب فترة تحولات من شأنها أن تبني من جديد مجتمع الدولة المدنية, وكان ذلك يتطلب وقتا طويلا. وحتى في حالة إذا ما كان هناك سعي ثقافي حثيث لتضييق رقعة الموروث المذهبي فإن الأمل بإزالة ثقافة هذا الموروث بشكل نهائي هي عملية مستحيلة. فالملاحظ أنه حتى في الدول التي أتمت بنجاح رحلاتها المكوكية إلى الفضاء ما زالت تأثيرات الدين, وبجوانبه المذهبية, قائما, وقد يكون ممكنا أن تكون له تداعيات إذا امتلك فرصة التعبير عن نفسه.
    والمعركة ضد الطائفية في الدولة المدنية تبقى قائمة وتتجلى في محاولة الابتعاد القانوني عنها وبناء مجتمع ذا خصوصيات حضارية متعارضة.
    والعلمانيون أنفسهم ومنذ النشأة المعاصرة للعلمانية في أوروبا كان أدركوا صعوبة الصدام مع المسألة الدينية بجوانبها الاجتماعية والثقافية والطقوسية لذلك مالوا إلى اعتماد العلمانية الجزئية التي تكفل فصل الدين عن الدولة وليس فصل الدين على المجتمع.
    وإن المرء يلاحظ بسرعة كيف أن الكاثوليك الأمريكان لا يسعون لتأسيس (مظلومية كاثوليكية) على الرغم أن جميع الرؤساء الذين تواكبوا على سدة الرئاسة منذ التأسيس وحتى وقتنا الراهن هم من الطائفة البروتستانتية, ولم تحظى أمريكا برئيس واحد من الطائفة الكاثوليكية سوى الرئيس كنيدي. وليس من الصعوبة العثور على تفسير مقنع لغياب تكون ثقافة المظلومية الكاثوليكية في المجتمع الأمريكي فالمجتمع العلماني المدني يقدم تفسيرا سريعا وبسيطا, فما دامت الدولة العلمانية المدنية تحرم التمايز المذهبي والديني على مستوى قانوني ودستوري فإن الفرص الأفضل هي في الكفاح من داخل منظومة الدولة المدنية لتحقيق بناء أفضل لثقافة غير مذهبية.

    وهل يخفى بعد ذلك الدور السلبي الذي مارسه الكثير من رجالات المؤسسة الدينية, وهنا الشيعية, في منع الانضمام للثقافة المدنية التي تلغي قانونيا ودستوريا كل نشاط من الممكن أن يؤدي إلى بناء ثقافة المظلومية, أليس هذا هو ما حصل بالفعل حينما كانت هناك محاولة لمنع الشيعة العراقيين من الالتحاق بعصر الدولة المدنية من خلال النفخ بكل الممارسات التي من شأنها أن تعيق هذه النقلة, حيث تجلى ذلك بفتاوى تمنع الالتحاق بوظائف هذه الدولة أو حتى التعامل مع مؤسساتها ومصارفها ومن ثم إصدار فتاوى تحرم الانتماء للأحزاب السياسية, إضافة إلى المبالغة في طقوس الحزن الشيعي لضمان الهيمنة النفسية والثقافية على الإنسان الشيعي بشكل يمنعه من الاقتراب من ثقافة الدولة المدنية.

    واليوم فإن تحويل أغلب أيام السَنَة إلى مناسبات دينية ذات طابع مذهبي لا يحقق سوى إلقاء القبض على الشيعة ومنعهم من التنفس إلا من خلال قنينة الأوكسجين المذهبي.
    ألا يعتبر إبقاء الشيعة في فلك كهذا هو ظلم تاريخي لإنسانيتهم حيث تحولوا بفعل هذه الثقافة إلى لطامين طبارين بكائيين مغيبين إلا من العوالم التي تضمن ولاءهم المطلق لرجالات مذهبهم. فإن كنا اعترفنا بوجود ممارسات عدائية للشيعة, غير قانونية وغير دستورية, من خارج محيطهم بالاتجاه الذي يحول بينهم وبين الحصول على مساواة مع السُنة فكيف نغفل عن الشكل الآخر للمظلومية الشيعية التي أسس لها الكثير من رجالات مذهبهم حينما كيفوا عقولهم وحريتهم حتى يعيشوا الماضي لكي يربح أولئك معركة الماضي على حساب المستقبل, ويا ليتهم ربحوها أو سيربحونها لأن نهايتها ستبقى مفتوحة إلى الأبد, فلا الحسين سيربح معركة ألطف ولا يزيد سيخسر الخلافة, ولهذا يتجدد الثأر كل عام من قتلة يزيد, ولن يكون صعبا تحديد الجهة التي يقف معها هذا اليزيد الذي شبع موتا ونارا في جهنم. وهكذا نتلمس كيف أن الهدف من التثقيف بمظلومية الشيعة من السنة هو بناء مظلومية هي اشد خطر من الأولى وهي مظلومية الحجز على عقل الشيعي بالاتجاه الذي يجعله رهينة لرجالات مؤسسته الدينية.
    ثم أليس من حق الشيعي العراقي أن يسأل نفسه عما أنتجته ثقافة المظلومية تلك حاليا وعما إذا كان ممكنا لهذه الثقافة أن تؤسس لحالة أفضل لهم على الأقل وليس بالضرورة لبقية العراقيين, هل تساءلوا ما هي صلة هذه الثقافة بهذا التراجع الحضاري الذي يعيشه العراق, وعما إذا كانت ثقافة المظلومية تصلح لبناء نظام لشعب متعدد المذاهب والأديان.

    إن ثقافة المظلومية هي بطبيعتها ثقافة معارضة وليس بمقدورها أن تبني دولة, وما لم يتم التراجع عنها وإلغاءها بكل قوة فإن الإنسان الشيعي سيعجز عن تحقيق النقلة الثقافية والنفسية من حالة المعارضة إلى حالة القيادة. وفي دولة متعددة الأديان والمذاهب فإنه ليس من العدالة فرض ثقافة أحادية على شعب بأكمله خاصة حينما ينتهي أمر هذه الدولة إلى أحزاب مذهبية أحادية الثقافة, وحينما تتطلب خصوصية هذه الثقافة وأشكال ممارستها ضغطا متعدد الأشكال على بقية الأديان والمذاهب.
    وثقافة المظلومية التي لم يغفل الأمريكان قيمتها لبناء الحالة العراقية الجديدة هي ثقافة مربكة لسياسي الشيعة أنفسهم. فإذ هم استفادوا منها وهم في المعارضة فإنهم يواجهون الآن صعوبات شتى تفقدهم القدرة على بناء دولة متحضرة ولذا فإنهم سيتعثرون حقا بالثقافة ذاتها التي اعتمدوها للنيل من صدام حسين. ففي نظام الطوائف هم لا يملكون ثقافة سياسية حقيقية من خارج ثقافة المظلومية لبناء وعي شيعي يكفل لهم الغلبة السياسية المذهبية, وهذا بالتالي يشجعهم على تفعيل الطقوس والممارسات والثقافات التي من شأنها بناء رأي عام شيعي في مواجهة الرأي العام للمذهب الآخر. كما أنهم ليسوا على استعداد للتناقض مع مؤسستهم الدينية التي تحرم تجاوز حالة المظلومية لمنع تداعيات هذا التجاوز على كيان هذه المؤسسة التي تديمه من خلال إدامتها وتنشيطها, وهكذا فإن الحل الطائفي الشيعي هو مشكلة في نفس الوقت, للشيعة ولغيرهم من المذاهب والأديان الأخرى.. وإذا كان ممكنا لثقافة المظلومية أن تعثر على نفسها في وقت يكون فيه رجالات الشيعة المذهبيين السياسيين في المعارضة, فإنها ستبقى حاجزا بينهم وبين التقدم وتجعلهم عاجزين عن تقديم كل ما تحتاجه الدولة المتحضرة من مناهج للإلتحاق بالعالم المتحضر.
    إن ثقافة المظلومية الشيعية هي ظلم للشيعة قبل أن تكون ظلما للآخرين,.
    وهي أن كانت تظلم الآخرين مرة فهي تظلم الشيعة مرات.



    المصدر
    اقرأ قبل أن تكتب
    وابحث قبل أن تسأل
    واسأل لكي يستفيد الآخرون من سؤالك

  2. #2

    افتراضي



    تحليل منطقي,,
    تشكر ابو محمود ع النقل المتميز..
    لا تنسوني بخالص دعواكم..

 

 

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •