هل نحتاج دائما إلى “العين الحمراء” ..؟!


كُتبت بتاريخ 02 أكتوبر 2012 في قسم التاسع والعشرون, سياسة , عدد القراء: 955



عن الكاتب: زاهر بن حارث المحروقي

كاتب وإعلامي عماني Zahir679@gmail.com
كتب 28 مقالة في مجلة الفلق.
مقالات أخرى للكاتب زاهر بن حارث المحروقي


إن اللجوء إلى العنف أو تقديم المطالب عن طريق المظاهرات أو الاعتصامات أو الإضرابات يجب أن يتم اللجوء إليه إذا سُدت كل الأبواب، ولكن للأسف يبدو أننا في عمان لا يمكن أن نحقق أي تقدم إلا إذا جاء عن طريق الاعتصامات أو المظاهرات أو ما يصطلح عليه شعبيا ب”العين الحمراء”، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة إذ أن كل الذي حصل في عمان كان بفضل الاعتصامات التي حدثت، و ربما المثال الأخير الذي حدث في ولاية دبا خير دليل على ما ذهبتُ إليه، فالمواطنون قدموا مطالبهم للحكومة وانتظروا ردا ولم يأتهم الرد أبدا حتى صارت الاعتصامات والاحتجاجات عندها تحركت الحكومة، وكأنها رسالة للشعب مؤداها “أننا لن نستمع إلى مطالبكم ونستجيب لها حتى تعتصموا وتتظاهروا وتضربوا عن العمل وتشوهوا سمعة السلطنة داخليا وخارجيا”، وللأسف هذا هو لسان الحال
ولقد ظلت قضية ولاية دبا غامضة عند الكثيرين لأن الاعتماد على الأخبار كان على مواقع الحوار في النت فقط وهي مواقع لا يمكن أن يكون الاعتماد عليها كاملا، إلا أن الناس وخاصة المهتمين بقضايا الوطن اعتمدوا على ما نشر فيها لأن بيانا رسميا واحدا لم يصدر لكي يظهر حقيقة الموقف للناس
وحسبما تم نشره هو أن ولاية دبا تعتمد اعتمادا كليا على دبا التابعة للشقيقة التي أصبحت الكبرى الآن دولة الإمارات العربية المتحدة في كل متطلبات الحياة اليومية سواء المأكل أو المشرب وهي أساسيات الحياة، لكن الدولة الجارة أحاطت الولاية بسور من الأسلاك ووضعت نقاطا حدودية وفرضت نظاما معينا حيث أن المياه والمواد الغذائية لا تدخل إلا في أوقات معينة فقط، وكذلك شملت القوانين السواح والعمال الذين يعملون هناك حيث حددت لهم وقتا معينا فقط للدخول والخروج مع إجراءات تفتيش للمواطنين رآها البعض أنها مهينة خاصة مع النساء مع ما صاحبها من التأخير في إنهاء إجراءات المرور
ويرى أبناء ولاية دبا – وهم محقون في رأيهم – أنهم المتضررون الأساسيون إذ أن دبا التابعة للإمارات مفتوحة على الإمارات الأخرى فلا توجد أي مشكلة لديهم.
إن حجة الجيران في وضع تلك الأسلاك وفتح تلك المراكز حجة منطقية وهي أن حدودنا مفتوحة وعبرها يتم التسلل إلى دولة الإمارات لذا لا بد من وضع قيود للحد من التسلل، وفي الحقيقة هذا حقهم تماما ومن حقهم أن يسنوا القوانين ويتخذوا الإجراءات التي يرونها مناسبة لحماية أمنهم الوطني، وإذا كان هناك من يجب أن يوَجه إليه اللوم فيجب أن يوَجه إلينا، فهل من المنطق الآن بعد مرور 40 سنة من النهضة أننا لا نستطيع أن نحمي وطننا من المتسللين ولا نستطيع أن نفرض النظام على العمالة الوافدة وعلى مشاكلها التي تزداد يوما بعد يوم حتى أصبحنا نهدد الجيران؟ ثم بعد مرور 40 عاما من النهضة هل من المنطق أن نهمل مناطق هامة قريبة من الحدود وهي منطقة ملتهبة تنصب عليها أعين العالم؟ إن من قرأ معاناة المواطنين في ولاية دبا يخرج بانطباعات محزنة هي أن لسان حال الوضع يقول للمواطنين”اتركوا الأمر كما هو وابحثوا لأنفسهم عن وضع اقتصادي أفضل وهو متاح عند الجيران”، لكن الأمانة تقتضي أن نقول إن أبناء ولاية دبا ومحافظة مسندم ومحافظة البريمي حالهم كحال بقية المواطنين العمانيين كانوا على مستوى الحدث وتحلوا بالوطنية الصادقة وجددوا ولاءهم لجلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه رغم لجوئهم إلى الاعتصامات لأنهم كانوا قد وصلوا إلى طريق مسدود، وفي ظني أن ما حدث كان خيرا لأن رسائل المواطنين تضل الطريق دائما ولا تصل إلى الحكومة التي يبدو أنها تعرف طريقا واحدا فقط لاستلام الرسائل هو طريق المظاهرات والاعتصامات، ومن الخير الذي أحدثته ولاية دبا هو أنه حان الأوان لكي ننشيء جيشا قويا وخفر سواحل قويا لحماية الوطن والمواطنين من مشاكل المتسللين وما يتبع ذلك من نشر المخدرات والجرائم، لأن الأمر السامي بتعيين 100 ألف باحث عن العمل في عامين أمر إيجابي لكنه لن يستمر طويلا، لذا يجب استغلال هؤلاء الشباب المعينين الاستغلال الجيد وتدريبهم على العمل لكي يكونوا منتجين لا أن يكونوا مجرد عدد فقط في سجلات العاملين ينتظرون كل مناسبة حتى يأخذوا إجازات وكأن ذلك هو الشيء المهم في الوظيفة، ومن ذلك استغلالهم في وظائف حماية الحدود والشواطيء العمانية، كما أن مشكلة ولاية دبا أثارت من جديد أهمية الاستجابة لطلبات المواطنين وهي طلبات دائما تكون بسيطة وفي متناول أيدي الحكومة ولكن التأخير في التنفيذ يجعلها تتراكم حتى تصبح مشكلة، وقد تكون طلبات بعض المناطق وبعض الولايات أهم من حيث وضعها ومكانتها، لأن سكان المناطق الحدودية إذا دخلوا في مقارنات مع الجيران فإن المقارنة لن تكون في صالحنا أبدا وهي مشكلتنا نحن وليست مشكلة غيرنا، وقد تكون للحكومة خططا يجري تنفيذها ولكن الناس قد ملت من كثرة البيانات الإنشائية والبطء في التنفيذ وهم بحاجة إلى حلول سريعة وعاجلة، ومن هنا لا بد من الإسراع في تنفيذ متطلبات أبناء دبا ذات الأولوية والتي استعرضها معالي السيد وزير الداخلية مع شيوخ الولاية ضمن مشروع استراتيجي تعمل الحكومة على تنفيذه لتطوير محافظة مسندم وتعزيز سبل العيش الكريم لمواطني المحافظة والوقوف على متطلبات الولايات الحدودية على المستوى التنموي والاستهلاك الغذائي.
إن مقالي اليوم يعيدني إلى مقال سابق كتبته في مجلة الفلق الألكترونية بتاريخ 7/1/2011 تحت عنوان “حكايات عن محافظة البريمي” حيث فيه من التفاصيل إلى حد التطابق مع ما حصل في ولاية دبا، مما يدل أن هناك فعلا مشكلة تحتاج إلى حل، فبعد الحديث عن مشكلة أبناء محافظة البريمي وهي المشكلة نفسها الآن مع أبناء دبا ذكرت أن هناك من القوانين التي تسنها الجارة من الصعب تفسيرها، ومقابل ماذا؟ مقابل تسامح كبير وصمت رهيب تجاه كل تلك الأخطاء تجاهنا لأننا تعاملنا بليونة وبغير حزم حتى ظن الآخرون بأن وضعنا المالي الأضعف والأقل سيجعلنا نأكل بثدينا وأننا يمكن أن نفرط في وطننا وترابنا وتاريخنا ومكتسباتنا ومنجزاتنا، ومع ذلك إذا صرح أحدهم بأنه سيفتح منفذا للحدود احتراما للعلاقات الأخوية والتاريخية وأواصر القربى بين الشعبين تسابقنا للفرح وكأن مكرمة نزلت علينا في ليلة القدر، بمعنى آخر إننا نحتاج إلى تطبيق سياسة”العين الحمراء” مع كل من يتجاوز الحدود، واليوم أعيد ما ختمت به ذلك المقال إذ قلت: إننا نحتاج الآن إلى مراكز بحث تقدم دراساتها للدولة في كل شؤون الحياة ومن ذلك مثلا دراسة حول المناطق الحدودية مثل محافظة البريمي ومحافظة مسندم وكذلك محافظة ظفار، ثم إننا نحتاج إلى توفير متطلبات الناس سواء في هذه المناطق أو غيرها ويجب أن تشمل الدراسات كل ما يحتاجه المواطن وما الذي يجعله يقطع المسافات إلى الخارج للشراء، فعندما تكون كل الاحتياجات متوفرة فلماذا يفكر العماني أن يذهب لجلبها من الخارج؟
وحفاظا على الأجيال المقبلة يجب أن توضع الحلول لكل المشاكل العالقة بيننا وبين دول الجوار، لأن عبارة “كلنا إخوة وأهل وكلنا مسلمون” التي يرددها البعض هي أقرب إلى نكتة سمجة، لأن الوضع إذا لم يجد الحل النهائي فيسبقى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة..! ثم هناك نقطة أخرى عامة لكنها هامة هي أن هناك مشكلة وأزمة عندما يكون فكر المواطن متطورا أكثر من فكر الحكومة، لأن أي حكومة في العالم عندما تطلب من المواطنين أن يكونوا موالين لها، فهذا يحتّم عليها أن تقوم برعاية كل شؤونهم وترعى مصالحهم وتتولى تقديم سبل الراحة لهم من غير أن يطلبوا منها ذلك، لأن أي حكومة في العالم يجب عليها أن تهتم بحقوق المواطنين مثلما تريد منهم الواجبات والولاء
وأكبر مشكلة نواجهها الآن ليس في عمان وحدها بل في دول الخليج كلها أن قطار التغيير قد انطلق ومن الصعب أن يقف، قد يتعرقل في بعض المحطات ولكنه لن يتوقف إلا إذا سارعت الحكومات للإستجابة لطلبات المواطنين ولوضع الحلول لكل المشاكل، فهناك بعض الدول في المنطقة دخلُ أبنائها أفضل بكثير من دخل المواطنين العمانيين إلا أننا قرأنا عن وجود مشاكل فيها وصلت إلى العنف، وقرأنا في دول أخرى اعتقال جماعات تخطط بالإطاحة بالحكم، كما قرأنا تأسيس أول حزب سياسي في المنطقة، وهي مؤشرات كلها تدل على صعوبة الأيام القادمة وعلى مدى تأثير هذه المؤشرات على الدول الأخرى…!